كتب : بكري خليفة
مع اقتراب عيد الأضحى، تتصاعد في السودان مخاوف من موجة غلاء غير مسبوقة في أسعار خراف الأضاحي، مدفوعة بتداعيات الحرب المستمرة، وتدهور قطاع الثروة الحيوانية، وارتفاع تكاليف الإنتاج والترحيل. وتشير توقعات إلى تجاوز سعر الخروف حاجز المليون جنيه، ما يضع ملايين الأسر أمام تحدٍ اقتصادي قاسٍ يهدد قدرتها على أداء الشعيرة.
وتعود جذور الأزمة إلى اعتماد الأسواق على الخراف القادمة من غرب السودان، خاصة “الحمري”، إلى جانب سلالات أخرى من الشمال والوسط، في وقت تسببت فيه الحرب في إضعاف سلاسل الإمداد ورفع كلفة التربية والنقل.
كما أدى ارتفاع أسعار الوقود والأعلاف والأدوية البيطرية، إلى جانب تراجع الخدمات الحكومية، إلى تحميل المنتجين أعباء إضافية انعكست مباشرة على الأسعار النهائية. وبالتوازي، ساهم انتشار الأمراض، مثل طاعون الماشية، في نفوق أعداد كبيرة من القطعان، في ظل غياب حملات التحصين.
ولم تتوقف التأثيرات عند هذا الحد، إذ فاقم انقطاع التيار الكهربائي من أزمة الأعلاف بعد تلف مساحات زراعية واسعة بسبب نقص المياه، ما دفع بعض المربين إلى تقليص نشاطهم أو الخروج من السوق.
في المقابل، يواجه المواطن ضغوطًا معيشية غير مسبوقة، خاصة مع نزوح ملايين الأشخاص وفقدان مصادر الدخل، ما جعل الحصول على الأضحية أقرب إلى الرفاهية منه إلى العادة الموسمية. ويعكس وصول سعر كيلو اللحم الضأن إلى نحو 50 ألف جنيه حجم الفجوة بين الدخل وتكاليف الغذاء.
أمام هذا الواقع، يبرز خيار الأضحية بالعجول كبديل عملي. فالشريعة تجيز الاشتراك في العجل أو البقرة لسبعة أشخاص، وهو ما يخفف العبء المالي. وبحسب متعاملين في السوق، يتراوح سعر العجل بين 3 و5 ملايين جنيه، ما يعني أن نصيب الفرد قد يدور حول 430 ألف جنيه، وهو أقل بكثير من تكلفة الخروف.
إضافة إلى ذلك، توفر العجول كميات أكبر من اللحوم، قد تتجاوز 20 كيلوغرامًا للفرد، مقارنة بنحو 14 كيلوغرامًا في أفضل حالات الخراف، ما يعزز جدوى هذا الخيار اقتصاديًا وغذائيًا.
وتتطلب هذه البدائل قدرًا من التعاون الاجتماعي، حيث يمكن للأسر والأقارب الاشتراك في الأضحية وتقاسم تكلفتها. وقد أظهرت تجارب محلية نجاح هذا النموذج في تحقيق التوفير وتعزيز الروابط الأسرية.
ومع شيوع هذه الممارسة في دول أخرى تواجه ظروفًا مشابهة، قد يشكل التوجه نحو العجول هذا العام تحولًا واقعيًا في سلوك المستهلك السوداني، وربما يسهم في تخفيف الضغط على أسعار الخراف.
في المحصلة، تظل الأضحية سنة لمن استطاع إليها سبيلًا، بينما تفرض الظروف الاقتصادية على كثيرين البحث عن بدائل أكثر واقعية. وبين هذا وذاك، يبقى الأمل أن يأتي العيد بظروف أفضل، تعيد التوازن للأسواق، وتمكّن الأسر من الاحتفاء بهذه المناسبة بما يتيسر لها.