بقلم : كنده غبوش الإمام
الكتابة للصحافة هي مهنة الأنبياء والرسل، لكنها في السودان غدت “مهنة المتاعب”. يقول الحق تبارك وتعالى في سورة الكهف: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوجًا)، وفي سورة النمل على لسان بلقيس ملكة سبأ: (يَا أَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ)، كما أقسم المولى بالقلم في سورة القلم: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)، وأكد في سورة الأعلى: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى). استشهدت بهذه الآيات البينات لأؤكد اعتزازي بانتمائي لقبيلة الصحفيين من الجنسين، وهو عشق بدأ منذ المدرسة الأولية في “سلارا” بجبال النوبة الغربية، في عهد الحاكم العسكري لمديرية كردفان آنذاك الأميرلاي أحمد حسن العطا، حيث شغفت بالكتابة في صحيفة المدرسة.
وعندما انتقلت إلى المعهد العلمي في “بارا”، وبالتزامن مع عملي في سلك الشرطة، كنت أحرر الأخبار باسم مستعار لصالح جريدة “كردفان”. وهناك، قدت حراكاً سرياً مع أبناء النوبة من عمال الصحة، وحرضتهم على التوقف عن العمل حتى تُحسّن أجورهم. وفي اليوم الأول للإضراب، فاجأتنا جريدة “كردفان” بعنوان عريض: (عسكري بوليس يقود تحريض عمال الصحة في بارا). أُلقي القبض عليّ بتهمة التحريض، ومثلت أمام القومندان عبدالله حسن سالم، وحين سألني عن اعترافي، قلت له إن واجب رجل البوليس خادم للشعب، وهؤلاء مظلومون، فأمر بترقيتي فوراً من رتبة “بوليس نفر” إلى رتبة “أباشي أصيل” تقديراً لشجاعتي وصدقي.
وهنا نتوقف، فالشعب السوداني يعرفني، لا أخشى في الحق لومة لائم، لا أقف بباب الولاة ولا أدخل بيوتهم ولا آكل من موائدهم. وأعيش الآن نازحاً بلا مأوى وبلا حياة كريمة مع أسرة متعففة في “بربر”، أعاني ظروفاً صحية وإنسانية بالغة القسوة، لكنني لا أسأل الناس إلحافاً، وأجد كل التقدير من المجتمع ومن أهل بربر الأبرار وأهلي في قبيلة الصحافة. وفي هذا المنعطف القاسي، تلقيت دعوة كريمة من الأستاذة حياة حميدة للمشاركة في المؤتمر القومي لقضايا الشباب بمدينة عطبرة، برعاية والي ولاية نهر النيل الدكتور محمد البدوي عبدالماجد، وحضور كوكبة من وزراء “حكومة الأمل”.
الأستاذة حياة حميدة تمثل نموذجاً فريداً للصحافة الاستقصائية والخدمية التي تلامس جراح المواطن البسيط؛ فهي لم تكتفِ يوماً بنقل الخبر، بل جعلت من قلمها منارةً للتنوير ومطالبةً بالحقوق الضائعة. لقد تابعت مسيرتها المهنية الطويلة، فوجدت فيها صرامة الصحفي المهني ممتزجةً برقة الإنسانة التي تسابق الزمن لمد يد العون للآخرين، فهي “أيقونة” حقيقية لم تنكسر أمام عواصف المهنة، ولم تتبدل مبادئها بتبدل المواقع والظروف، بل ظلت وفيةً لأخلاقيات الكلمة الحرة.
وتمتاز حياة حميدة بقدرة فائقة على إدارة الملفات المعقدة برؤية ثاقبة، حيث تجلى ذلك في تنظيمها وتنسيقها للمؤتمرات القومية التي تناقش قضايا الشباب والنازحين. إنها لا تكتفي بتسليط الضوء على المشكلات، بل تقدم الحلول والمبادرات العملية التي تخدم الصالح العام، مما جعلها محل ثقة وتقدير من القيادات التنفيذية والقواعد الشعبية على حد سواء. إن مدرسة حياة حميدة في الإعلام تعتمد على “المصداقية” كحجر زاوية، وهي صفة أصبحت عملة نادرة في زمن التزييف، مما جعل اسم ناصعاً في سجل الشرف الصحفي السوداني.
كما أن دورها في دعم الزملاء والنازحين من قبيلة الإعلام يتجاوز مجرد العمل المهني إلى الواجب الأخلاقي؛ فهي الرائدة التي تفتح الأبواب الموصدة، وهي الجسر الذي يربط بين تطلعات المبدعين وبين صناع القرار. لقد نجحت حياة في أن تحول مهنة المتاعب إلى رسالة أمل، من خلال تفانيها في رعاية الموهوبين والوقوف بجانب المهمشين، مما أثبت أنها ليست مجرد رقم في قائمة الصحفيين، بل هي “مؤسسة إعلامية” تمشي على قدمين، تمتلك من الخبرة والحكمة ما يؤهلها لقيادة أكبر المنابر الوطنية ببراعة واقتدار.
ولعل مرافقتها للمذيعة الرائعة خديجة حماد في فعاليات المؤتمر الأخير، كشفت عن قدرة حياة في خلق “توليفة إبداعية” مدهشة حول أهداف المؤتمر ومعالجة قضايا الشباب. لقد قدمتني حياة وخديجة للوالي وقادة الأجهزة الأمنية؛ قائد قوات المدفعية بعطبرة، ومدير شرطة الولاية، ومدير المخابرات العامة، ومدير عام سكك حديد السودان، والذين أكدوا جميعاً حرصهم على رعاية النازحين. هذا النشاط الدؤوب ليس غريباً على حياة التي عرفتها الميادين بجرأتها، وعرفتها المنابر بعمق طرحها، مما يجعل الإشادة بها واجباً تمليه المهنة ويمليه الضمير.
اخيراً، شكراً جزيلاً حياة حميدة، وشكراً جزيلاً خديجة إسماعيل ، ونناشد رئيس “حكومة الأمل” الدكتور كامل إدريس لافساح المجال في حكومته لحياة حميدة التي تستحق أن تتبوأ أرفع المناصب الإعلامية نظراً لتاريخها الناصع، وللدرة الإعلامية خديجة حماد التي تمثل صوت المستقبل. إن وجود مثل هذه الكفاءات في مواقع القرار هو الضمانة الحقيقية لإعلام وطني نزيه يخدم تطلعات أهلنا في ولاية نهر النيل وفي كل ربوع السودان.
اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد وكفى بالله شهيداً، والله من وراء القصد