*وجع النزوح*
https://www.facebook.com/share/p/1VHkyktTzZ/
■ لم يكن السبت، السادس عشر من ديسمبر عام 2023م، يوماً عادياً في سجلّ الوجع السوداني، بل كان فصلاً من فصول الجحيم الذي انفتح على مصراعيه فوق رؤوس الأبرياء، حينما قرر الغدر أن يطأ أرض “حنتوب” الوادعة قبل أن يشرع في عبور الجسر نحو قلب مدني. حينها كانت صرخات المآذن تمتزج بضجيج الموت القادم على متن عربات المليشيات ذات الدفع الرباعي، يقودهم “كيكل” الذي كان حينها رأس الرمح في الهجوم، يوزع الموت والخراب يميناً وشمالاً، وكأن تلك الضاحية الهادئة قد كُتب عليها أن تدفع ثمن حقدٍ دفين؛ فاستباح الأوباش الحرمات، وبدأوا فصلاً من “الشفشفة” التي لم تترك في البيوت إلا جدرانها الباكية، وأحالوا طمأنينة الناس إلى رعبٍ مقيم ينهش في القلوب قبل الأجساد.
■ في تلك اللحظات القاتمة، كنت ممسكاً بهاتفي كمن يمسك بجمرة ملتهبة، أتابع الأنباء بقلبٍ واجف وعقلٍ تائه، مشفقاً على الأحبة هناك، وعلى رأسهم الصديق العزيز والقدوة الإنسانية، الطبيب الإنسان الدكتور عمر أبشر، الذي كان يسكن نبض تلك المدينة بعطائه ونبله، فإذا به يواجه مع أسرته إعصاراً لم يخطر ببال بشر. لقد شيد الدكتور عمر بيته في حنتوب بمداد الصبر وعرق السنين التي قضاها في الغربة، يقتطع من عمره وراحته ليؤسس مرفأً آمناً لشيخوخته ولأسرته، حاملاً في قلبه حلماً كبيراً بسودانٍ معافى من الأوجاع والآلام؛ لكن الأوباش لم يمهلوه فرحة الحصاد، فدخلوا داره العامرة وحولوها إلى قاعٍ صفصف، نهبوا العربات الفارهة وكل مقتنيات البيت التي اختزنت ذكريات الكدح، ولم يكتفوا بالنهب المادي، بل حاولوا اغتيال روحه حين وصمه “الجنجويد” بأنه “كوز”، وهو الذي كان وما زال ألد الخصام للساسة والسياسة.
■ قصة خروج الرجل وأسرته من جحيم مدني هي ملحمة من ملاحم القهر الإنساني، حيث اضطروا لمغادرة مدينتهم المنكوبة نحو عطبرة عبر القضارف في “دفار” ضاق بساكنيه، حُشر فيه العشرات بجانب بعض الأمتعة في مشهد يدمي الفؤاد؛ فذاك “الدفار” المعدني الذي خُصص لنقل البضائع والمواشي، صار في تلك اللحظة التاريخية “تابوتاً” للأحياء يفرون به من الموت إلى المجهول. ارتضى “البروف” عمر وأسرته تلك المجازفة القاسية، وابتلعهم جوف “الدفار” في رحلة شاقة وطويلة، باحثين عن بصيص أمل بعيداً عن صلف المليشيا، وقد كتب الله لهم النجاة ليوثقوا بوجعهم تفاصيل تلك اللحظات التي لا تُنسى.
■ من مأساة نزوح الدكتور عمر تبدأ سلسلة مآسي الهروب الكبير، ذلك النزوح الذي لم يكن اختياراً بل فراراً من الموت الذي أشعله الأوباش في قرى الجزيرة وحواضرها؛ إنها قصص مأساوية تلتصق بالذاكرة كوشمٍ أسود، أوجاع عصية على النسيان وجراح ترفض الاندمال مهما طال الزمن؛ لأنها لم تستهدف المال فحسب، بل استهدفت الكرامة والإرث والتاريخ. كل نازح غادر بيته يحمل في جوفه حكاية تكفي لملء مجلدات من الحزن، وكل زفرة خرجت من صدور المهجرين كانت تحكي عن وطنٍ يسرقه اللصوص في وضح النهار، وعن مدنٍ كانت منارة للعلم والجمال، فصارت مرتعاً للبؤس والدمار.
■ ومن بين تلك الأوجاع التي لا تبرح الخاطر، قصة تلك السيدة التي التقيتها لاحقاً في رحلة التيه؛ روت لي بمرارة تفوق الوصف كيف أنها حين داهمهم الخطر، لم تلتفت للذهب الذي كانت تخبئه، ولا للأموال التي جمعتها طوال حياتها. لقد حملت في حقيبة يدها الصغيرة شيئاً واحداً فقط: “ألبومات الصور” العائلية. قالت لي وعيناها تفيضان بالدمع: “المال يُعوض يا أخي، لكن كيف أعوض ملامح أمي الراحلة وضحكات أطفالي وهم صغار؟”. كانت تلك الصور هي هويتها ووطنها الصغير الذي تحمله بين كفيها، لكن الأقدار كانت أقسى من احتمالها، فضاعت الحقيبة في زحام المراكب المكدسة عند عبور النيل، لتغرق ذكرياتها في لجة النهر.
■ ظلت تلك السيدة تبكي ذكرياتها الغارقة بأكثر من بكائها على بيتها المنهوب وحياتها المستباحة؛ ففقدان الصورة يعني فقدان القدرة على استحضار الملامح التي كانت تؤنس وحشتها في الاغتراب والنزوح. هذه القصة، رغم قصرها في أعين البعض، إلا أنها توثق لوجعٍ عظيم ومفهوم مختلف للفقد، حيث يصبح الورق الملون أغلى من سبائك الذهب، وتصبح الضحكة المحبوسة في إطار صورة هي الثروة الحقيقية التي لا يمكن استردادها. حقاً إنها مأساة “الإنسان” الذي يُجرد من ماضيه قسراً، ويُلقى به في عراء الحاضر دون سندٍ من ذكرى بصرية توثق لزمن الطمأنينة الذي ولى.
■ وفي زاوية أخرى من مآسي مدني، كانت هناك آهات مكتومة لم يسمعها الأوباش، ولن يفهموا كنهها أبداً، وهي الآهة التي أطلقها ذاك الأستاذ الجامعي بجامعة الجزيرة، ذلك الصرح العلمي الذي طاله الخراب. وقف الأستاذ العجوز يشاهد دخان مكتبته يتصاعد في السماء، تلك المكتبة التي أمضى أربعين عاماً في جمعها، كتاباً وراء كتاب، وبحثاً إثر بحث. لم يكن الدخان ناتجاً عن قصفٍ عشوائي، بل لأن أفراد المليشيا حولوا أمهات الكتب والمخطوطات النادرة إلى وقودٍ لطهي طعامهم، في جهلٍ مطبق لا يفرق بين الورق المقدس وبين الحطب. لخص الأستاذ تلك التراجيديا بكلمات تقطر دماً: “لقد أحرقوا عقلي قبل أن يحرقوا ورقي”؛ فإحراق المكتبات هو إحراق للذاكرة الجمعية وللعقل السوداني الذي تشكل عبر العقود، وهو فعلٌ ينم عن حقدٍ على المعرفة وكل ما يمت للمدنية بصلة.
■ وعلى طريق “مدني – سنار”، حيث كان الزحام يلف الخناق على الهاربين، روى لي أحد القادمين فاجعة تلخص معنى القهر؛ وجدوا رجلاً فارق الحياة وهو ممسك بمقود سيارته في وسط الزحام الخانق. لم تخترق جسده رصاصة، ولم يطعنه خنجر، بل توقفت عضلة قلبه من فرط الضغط العصبي والقهري الذي لم يحتمله. كان الرجل يرى أسرته في حالة هلع وتوسل، وكان العجز يقتله وهو يرى جيوش الأوباش من خلفه والمجهول من أمامه، فآثر قلبه التوقف على أن يرى هواناً أكثر. وظلت السيارة عالقة لساعات طويلة، والجثمان بداخلها يمثل شاهداً صامتاً على فداحة الجريمة التي ارتكبت في حق المدنيين.
■ تلك السيارة التي تحولت إلى “قبرٍ متحرك” في طريق النزوح، تروي حكاية آلاف السودانيين الذين ماتوا “قهراً” قبل أن يموتوا بالرصاص؛ فالضغط النفسي الذي مورس على الآباء وهم يرون عجزهم عن حماية أطفالهم وأمهاتهم، كان أفتك من المدافع. لقد تحول الطريق السريع إلى مسرحٍ للموت البطيء، حيث تختلط أصوات المحركات بأنين المرضى وصرخات الأطفال، بينما يرفرف الموت فوق الرؤوس، يخطف من يشاء تحت سمع وبصر العالم الذي اكتفى بالمشاهدة، تاركاً إنساناً بسيطاً يواجه مصيره وحيداً في زحامٍ لا ينتهي إلا إلى الفجيعة.
■ ولم تنتهِ المأساة عند الموت قهراً داخل السيارات، بل امتدت لتشمل كرامة الموتى في مثواهم الأخير؛ لقد اضطرت أسر عديدة لدفن موتاها، وخاصة كبار السن الذين لم تحتمل أجسادهم الضعيفة وعثاء السفر ووعورة الطريق وغبار النزوح، على جنبات الطريق السريع. كان القبر يُحفر على عجل، دون طقوس تشييع تليق بالراحلين، ودون دموع تجد الوقت لتنهمر، فالخوف من الملاحقة كان يسابق الرغبة في الوداع. كان المشهد موجعاً بامتياز، حيث يُدفن العزيز على قارعة الطريق، وتُترك فوقه “حجرة” صماء أو “فرع شجرة” يابس كعلامة وحيدة تدل على أن هنا يرقد إنسان كان له بيت وحياة.
نواصل