رمضان محجوب.. يكتب: أنواء الروح… شهادة قلم عاصر الإنكسار ..الحلقة (31)

*صُمود الدرداقة..!*

​■ لا تتوقف الذاكرة المثقلة بالوجع عن استدعاء مئات القصص الدامية، حكايا موجعة حفرت عميقاً في قلوب الناس، وتركت على أجساد الأبرياء من مواطني قرى غرب الجزيرة ندوباً وعلامات لن تمحوها الأيام. هؤلاء الذين تدافعوا جماعات وأفراداً، يبحثون عن الأمان ويقصدون حمى “طيبة الشيخ عبد الباقي”؛ تلك البقعة التاريخية التي كانت تمثل المركز الروحي والاجتماعي للمنطقة، فغدت الملاذ الأكثر طمأنينة والأبعد عن بطش المليشيا وتخريبهم الممنهج الذي طال الأرض والعباد بعد تمددهم السرطاني في قضم قرى ومشاريع الجزيرة.

​■ كانت قرى حلة دفع الله، مهلة، بيكا، الوراق، أبو سنينة، طلحة الطريفي، ومساعد، الرابضة في جهة الشمال الغربي من طيبة، تمثل بحكم موقعها الجغرافي خط المواجهة الأول وجدار الصد الأمامي ضد الكارثة. وكان إنسان هذه المناطق الطاهرة أول من ذاق مرارة النزوح والتهجير قسراً نحو المسيد العامر في أيام سقوط مدينة ود مدني الأولى. حدث ذلك بعد أن حوّلت المليشيا طرقات القرى الترابية الرابطة إلى معابر عسكرية ومحاور حركة لقواتها التي تشن هجماتها الارتدادية على مداخل محلية المناقل، فكان للمواطنين العزل هناك النصيب الأكبر من جرائم القتل والنهب الممنهج.

​■ سطر سكان هذه القرى مواقف من الشجاعة والكرامة ستظل محفورة في تاريخنا الوطني، وقدموا بدمائهم وعرقهم صوراً من التكافل الإنساني ترفع لها الرؤوس إجلالاً في زمن انكسرت فيه الكثير من النفوس. ومن بين ركام المآسي المتلاحقة، تبرز قصة شهيد “حلة دفع الله”، ذاك الشاب الغض الذي لم تخفه قعقعة السلاح ولم يكسر عزيمته رصاص “الشفشافة”؛ وهو المصطلح المحلي الذي بات يطلق على عصابات النهب المنظم المصاحبة للمليشيا، والذين اقتحموا حرمة بيته في جوف الليل البهيم لسرقة بقية بهائمه وأبقاره بالقوة تحت تهديد البنادق الآلية.

​■ لم يتراجع الشاب، ولم يساوم على بيته وماله، بل وقف يدافع عن رزقه وعرضه بصلابة، فاشتبك مع المهاجمين بـ “العصا” وسلاح أبيض، مستنداً على حق الدفاع الشرعي، فاستطاع بجهد إعجازي قتل اثنين منهم في باحة الدار، بينما فر بقية أفراد القوة يجرون أذيال الخيبة خوفاً من مصير مماثل. لكن هذه الملحمة البطولية الفردية فتحت على القرية الهادئة المطمئنة أبواب جحيم عسكري لا يطاق، إذ سارعت المليشيا بتطبيق تكنيك “العقاب الجماعي” والردع الانتقامي، فجمعت عناصرها المتفلتة من القرى المجاورة لكسر هذا الصمود المعنوي.

​■ عادوا بعد ساعة واحدة فقط، مدفوعين بغريزة الغدر والتشفي، على متن عشر عربات قتالية “دفع رباعي” مدججة بالأسلحة الثقيلة، وعشرات الدراجات النارية التي تستخدم للمناورة السريعة وسط الأزقة الضيقة. اجتاحوا “حلة دفع الله” كالجراد، يعيثون فيها دماراً وتنكيلاً بالبشر والشجر. بدأوا باغتيال الشاب الشجاع والتمثيل بجثته بطريقة وحشية يرفضها أي ضمير إنساني، ثم نفذوا مداهمات واسعة للبيوت يكسرون أبوابها، يضربون كبار السن والرجال، ويهينون النساء، ويروعون الأطفال الصغار في مخادعهم بلا رحمة.

​■ لم تتوقف الفاجعة عند تلك الحدود، بل امتد لظاها في ذلك الفجر الحزين ليشمل القرى المجاورة التي تداعى شبابها وهبوا لنجدة جارتهم المستباحة، فدفع الجميع ثمن الكرامة والشهامة برضا وثبات تحت وابل الرصاص الكثيف. قضى شهيد القرية نحبه مقبلاً غير مدبر، مدافعاً عن ماله وعرضه، تاركاً خلفه سيرة من النضال تتوارثها الأجيال، ودماً طاهراً يروي أرض الجزيرة المعطاءة لتنبت غداً فجراً حراً وعزيزاً، يغسل عن الطين آثار هذه الوجوه الكالحة.

​■ صبيحة ذلك اليوم المشؤوم، التقيت بعشرات الفارين من ذلك الجحيم، كانوا يتدفقون مشاة وعلى الدواب نحو مسيد الشيخ وسوق القرية، الذي تحول في نظري إلى مركز للتوثيق الحي، ومرجعاً حقيقياً لرصد شهادات الأبرياء الناجين من تلك المجازر. كانت الوجوه مغبرة تحكي تفاصيل المأساة، والعيون حائرة تبحث عن أمل وسط الركام، والكل يحمل في صدره غصة وحرقة على وطن يستباح غدراً أمام مرأى ومسمع من العالم الحائر.

​■ استوقفتني امرأة مسنة، أنهكها الكبر وخط الشيب رأسها، وصلت إلى باحة المسيد يجرها ابنها الشاب على “درداقة حديدية” متهالكة مخصصة لنقل البضائع، فرّ بها من وسط المعركة والدخان المتصاعد في “حلة دفع الله”. قطع بها هذا الفتى الصابر مياه “الترع” المكسورة وسط الوحل الطيني الثقيل لمسافة تقارب عشرة كيلومترات، ليوصل أمه إلى بر الأمان، متحدياً وعورة الطريق ومشقة المسير والضغط النفسي، ضارباً أروع أمثال البر بوالدته في زمن الحرب.

​■ جلستُ بالقرب منها على بساط ترابي، واستمعت إلى حديثها المخلوط بالآهات والدموع الحارة، وهي تتحدث بصعوبة بالغة جراء الإرهاق الشديد الذي حل بجسدها المتعب والنحيل، لكن التعب لم ينل قيد أنملة من عزيمتها وإصرارها على الصمود والتمسك بأرضها السليبة. حكت لي بصوت يرتجف كيف روعها صوت الرصاص الذي انهمر كالمطر من كل صوب، وهي قائمة تؤدي ركعات قيام الليل تقرباً إلى الله وتضرعاً لرفع البلاء في ذلك الليل البهيم.

​■ أصاب العجوز خوف شديد شل حركتها، ولم تقو ركبتاها على حملها، فما كان من ابنها البار إلا أن وضعها على “درداقة الأغراض” مسرعاً، عارياً من الخوف، لينجو بها من الموت المحقق. أوجعتني دموعها التي لم تتوقف وهي تسرد بمرارة وفخر ثبات ولدها، الذي تلقى في سبيل إخراجها عشرات السياط والضربات المؤلمة بأعقاب البنادق من مسلحي الجنجويد، الذين اعترضوا طريقهم مرات عديدة عند الارتكازات العشوائية ونقاط التفتيش التي نصبوها حول “الكناري” والجسور الرئيسية لقطع طرق الفرار والمدد.

​■ لم يكن أهالي قرى مهلة، وطلحة الطريفي، وبيكا، بأقل معاناة أو أخف بلاء من مواطني حلة دفع الله، فقد نالوا نصيبهم الوافر من التنكيل والنهب المنظم للممتلكات والسيارات والمطاحن. وهناك في زاوية من زوايا اللجوء المؤقت بالمسيد، حدثني الصبي محمد، ذاك الطفل البريء الذي لم يتجاوز اثني عشر عاماً، ورغم إعاقته الذهنية والجسدية الجزئية، كان حديثه واثقاً ومليئاً بالعزة عن الرعب الذي عاشته أسرته بقرية مهلة قبل خروجهم الاضطراري.

​■ تحدث الصغير بفخر عظيم عن وقوفه مع أبيه الكهل يواجهان رصاص المليشيا بصدور عارية لا تحميها دروع، مؤكداً بكلمات متعثرة تنبع من أصالة معدنه أنهم سيعودون حتماً إلى “مهلة” ليطردوا الغزاة من منزلهم المنهوب. كان هذا اليافع يحمل هم أسرته الكبيرة فوق كتفيه الصغيرتين، فاختار رغم الإعاقة وظروف النزوح القاسية أن يعمل مع والده المسن في سوق طيبة، يبيعان بعض السلع البسيطة ليكسبا قوتاً حلالاً يعينان به أسرتهما النازحة ويحفظ كرامتها من السؤال.

​■ أصبحت قرية طيبة مركز إيواء كبيراً ومفتوحاً على كل الاحتمالات، يستقبل الفارين من الموت من كل فج عميق، ولم يلجأ إليها البشر وحدهم طلباً للحياة، بل ساقت إليها العائلات “مراحات” الأبقار والماشية في هجرة جماعية مأساوية. آثر ملاك هذه الأنعام الفرار بها في عتمة الليل عبر المسالك الوعرة، خوفاً من نهب وسلب “شفشافة” المليشيا، الذين تحولوا إلى ذئاب بشرية تسرق كل ما تقع عليه أعينهم الآثمة من بشر وبقر وشجر وحجر، في محاولة لتجريف الحياة تماماً من هذه القرى المنتجة.

​■ لم تسلم من رصاصهم الحاقد حتى الكلاب الضالة في الطرقات، إذ قتلوها بدم بارد لمجرد أنها تزعجهم بنباحها المستمر، وتكشف بتكتيك فطري تحركاتهم الليلية المريبة المخصصة لسرقة بيوت المواطنين العزل الذين غادروها مجبرين. هكذا تحولت الحياة في تلك القرى إلى مأساة مستمرة وملحمة يومية، يكتب الأبرياء فصولها القاسية بالدموع والدماء، منتظرين انقشاع هذه الغمة المظلمة عن سماء وطنهم الجريح وعودة الحق السليب لأصحابه.

​نواصل..