الرِدة مستحيلة .. آخر تقليعات الثوب السوداني

الخرطوم أيمن كونتا

تميّزت المرأة بكل سحناتها وقبائلها بمميزات تفرّدت بها وإختصت بتبعات إكتست كل جوانبها الإجتماعية، وغيرها من أنماط الحياة والتي من ضمنها مجاراة الموضة والإنسياق وراء ما أفرزته العولمة حال طرح المنتجات

فما أن تشرق الشمس معلنة عن بدء يوم جديد، إلا وأنتجت شركة ما سلعة أو أنجزت خدمة موجهة لعالم الجنس اللطيف، ومن أسباب تخصيص وطرح المنتج بطريقة تروق للآخرين هو أن النساء يصرفن صرف من لا يخشى الفقر في سبيل تحسين صورتهن الجمالية والذهنية لدى الآخرين، فما أن يطل منتج في عالم الأسواق ويوصف بالموضة إلا وتجد المرأة تسعى جاهدة للإستحواذ عليه تحت ذريعة إشباع فضولها في إمتلاك حصتها من هذه الموضة قبل أن يأفل نجمها ويخبو بريقها، ومن المحفذات التي تحرك جينات الشراء، هو بند التباهي والتفاخر المترسب في أعماق النساء والمترجم في تصرفاتهن المقرونة بتنفيذ مآربهن المخطط لها مسبقاً، فخارطة طريق تحكيم المرأة على رأيها هي تأييدها لمقولة (الجديد شديد).

ظريف المدينة قال إن المرأة عندما تدخل السوق لا تخرج أبداً خالية الوفاض بإيادٍ مدلدلة، فلابد من الظفر بسلعة أو خدمة ما ، تماماً مثل الشخص الذي يدخل يده في جوال الدقيق لا تخرج نظيفة  بأي حال من الأحوال

تطورت دورة حياة التوب السوداني بتطور المراحل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويظهر لنا هذا جلياً في مسميات الثياب منذ عقود طويلة،  فنجد أن للأوضاع السياسية دوراً كبيراً في هذه المسميات، فشهادة ميلاد الثوب التي تستخرج عندما يصادف طرح المنتج لأحداث سياسية أو اقتصادية  تجعل الكل يتهافت لاقتناء هذه الشهادة حتى يكمل بها سيرته الذاتية من الموضة

فالقائمين على أمر تصريف منتجات هذه الثياب جملة كانت أم تفصيلاً يستغلون كل الظروف المحيطة ويوظفونها في تسمية ما جلبوه من بضاعة آخر موديل، ولضمان بيع الثوب نجد التجار يحفزون النساء بتوأمة لأسماء هذه الثياب والتي غالباً ما تكون مقرونة بأحداث شغلت الرأي العام الداخلي أو الخارجي، كما هو الحال في مسميات الهواتف الجوالة من شاكلة ربيكا زوجة الراحل جون قرنق وسلفاكير الذي أعتلى سدة الحكم عقب رحيل قرنق، وإيداهور وغيرها من المسمّيات التي صادفت أحداث وأزمات في البلاد

من مسمّيات الثياب نأخذ على سبيل المثال لا الحصر، عودة نميري، فعندما فشل إنقلاب الرائد هاشم العطا وعودة نميري للحكم صادف طرح ثوب في الأسواق ونظراً للأحداث العصيبة آنذاك سمي بعودة نميري

وأيضاً من المسميات الخط السريع وكان واحداً من المواصلات البرية في ذاك الوقت وكذلك ثوب رسالة لندن وأبوقجيجة

ثووب الشفون والذي كان في موديل سنتو، يشغل به كاهل الشيلة ويرفع من قيمتها، إذ كان له مدلول وقيمة كبيرة في حال إهدائه لعزيز ما، لكن بتقادم الأيام صار ثوب الشفون من الماركات التي يستهان بها، كأن يبسط أحدهم أمور الزواج قائلاً إنتو قايلين الزواج دا شنو؟؟ (ما توب شفون وكوم ديون)!!

وايضا” يوجد ثوب كرسي جابر والقمر الروسي وعالم زين والمرايا، والسبب الحماني، وثوب الزراف والكرب وثوب سد مروي الذي صادف طرحه في الأسواق تزامناً مع إفتتاح السد 

الأحداث والأزمات الخارجية أيضاً وجدت حظها في تسمية الثياب السودانية، فعند الاحتجاجات التي طالت وإنتظمت عدداً من الدول العربية، إحتجاجا” على تردي الأوضاع الاقتصادية والسياسية ومرابطتهم وإعتصامهم في الميادين خاصة ميدان التحرير، لم يجد الثوب الذي تزامن لهذه الأحداث لت وعجن في تسميته ولم يختلف عليه إثنان عندما أطلقوا عليه ميدان التحرير

أما آخر صيحة في الأسواق السودانية الآن هو ثوب (الردة مستحيلة) الذي أوجد قبول منقطع النظير من قبل المريدين والمستهدفين لكونه خرج بصورة تسر الناظرين، فضلا” عن كونه يحمل مضمون ظل يردده غالبية الشعب السوداني في طيفهم وصحيانهم

أكدت العديد من النساء أن لون الثوب نفسه له مدلولات وواقع نفسي لمن يرتديه فالذين يحبذون اللون الأزرق، فهم أصحاب إنتكاسات في حياتهم الاجتماعية، أما اللون البرتقالي فهو متروك على حسب الحالة النفسية المزاجية لصاحبته

وفي ذات السياق نجد أن النساء كبيرات السن يفضلن إرتداء اللون الرمادي ذعماً منهن أنه يريح البصر، وكما نجد الفتيات حديثات العهد بالزواج يرتدين الألوان الحمراء والصفراء لكونهم يرونها تأجج العاطفة، أما عند الحداد نجد نساء بلادي في حال فقدهم لأزواجهم يتوشحن بالثوب الأبيض على عكس نساء بعض الدول الأخرى فهن يحدون بالثوب الأسود كالنساء المصريات مثلاً

أما النساء اللائي ينضوين تحت لواء الصوفية، ففي اللون الأخضر لثيباهن أبلغ أثراً في تجسيد روحهم وميولهم العقائدية

للثوب قيمة أدبية كبيرة جداً، ويتجلى ذلك في حال أن تؤكد إحدى النساء لصديقاتها صدق كلامها في محفل عشرة ونسة نسائية في الوقت الذي تجد فيه إفادتها ضرباً من نسج الخيال من قبل قريناتها بين مصدقين ومكذبين، الأمر الذي لا يروق لهذه المرأة، فتزج بمقولة (والله كان ما حصل كدا، كان أجدع توبي) في إشارة صريحة وواضحة لقيمة الثوب ودلالاته المعنوية وحشمته وسترته

في ردهات الدوائر الحكومية صيغة متعارف ومتفق عليها بأن ترتدي المرأة العاملة ثوب أبيض ناصع البياض، يعتبر بمثابة بطاقة تعارف توضح العاملة من العميلة

أفادتنا الحاجة أم سلمة الضو بشأن الأبعاد الإجتماعية واللوجستية لإرتداء المرأة الريفية للثوب قائلة الإنسان ابن بيئته، وعندما كنت أعيش في أصقاع الريف كان لزاماً عليّ أن أشارك في التخفيف من أعباء المعيشة بتقديم بعض المجهودات في الحقول والغابات لتوفير لقمة العيش الكريمة، مثلي مثل سائر رصيفاتي الريفيات ومن هنا جاءت مقولة (إتحزمت وإتلزمت) أما إتحزمت فتعني ربط التوب محل الحزام، وإتلزمت أي لزوم إنجاز شيء ما،  أنظر إلى مضمون العبارة، فبالرغم من السعي لإنجاز مهمة ما  إلا أننا لم نتخلَ عن لبس الثوب بل نشدّ عليه ونعض بالنواجز، وأردفت أم سلمة بقولها أنا أرتدي الثوب للسترة و لحاجات ثانية لازماني، فدائماً ما أقوم بربط إبني الرضيع على ظهري مستعينة بطرف الثوب، وفي نفس الوقت الذي أقوم فيه بمزاولة أعمالي، والكلام لازال ممسكاً بتلابيب الحاجة أم سلمة التي أسهبت في الحديث وذهبت الى أبعد من ذلك عندما تطرقت الى ضرورة عدم التخلي عن إرتداء الثوب مهما كانت الدواعي، وللتأكيد على ما ذهبت إليه نجد أن المرأة السودانية وهي تقبع في (بطن البيت) فجأة يطرق الباب فتصيح الأم في وجه الأقرب منها  (ناوليني التوب دا)  

تختلف طريقة إرتداء التوب من منطقة إلى أُخرى ويجئ هذا الإختلاف جراء إتقان الفتاة الصغيرة على الكيفية التي تتوشح بها والدتها الثوب، فمن شبّ على شيء شاب عليه

وفي رواية أخرى إقلب القِدر على فمها تطلع البنت لأمها، وإذا ما جئنا ان نعقد مقارنة لنساء بلادي في الكيفية التي يرتدين بها تلك الثياب، نجد أن هناك إختلاف بائن، فغالباً ما نجد نساء الولايات الغربية يرتدين الثوب بطريقة مختلفة عن نظيراتهن في ربوع البلاد، فنجد (الجدعة)  دائماً بالشمال وتسمى (الفولالة)، عكس نساء الوسط والشمال اللاتي يرتدين الثوب باليمين  

وهناك طريقة للبس الثوب تسمى المقنع ومن هنا جاء مقطع الأغنية الحماسية خال فاطمة الذي يوصف بمقنع الكاشفات  

كثير من الأغنيات مجّدت الثوب السوداني وعددت مآثره وقيمته التي تضفي على المحبوبة ألقاً ورونقاً، أو كما قال الشاعر:

اللفة والتوب والقوام أوصاف حبيبي وقدلتو

وأيضاً مقطع أغنية:

متين لبستي التوب متين كبرتي عليّ أنا

ومنها أيضاً

يا توب الكرب الجابوك النقادة   

يا سيد الناس أنا عاشقك زيادة 

وأيضاً

شفت التوب وما لاقاني أجمل منو

بس التوب وسيد التوب يكون كيفنو

الشيء الذي لا يحمد عقباه عاجلاً وآجلاً إن الثوب بدأ يندثر، وتغيّرت فيه حكمة الحشمة بفعل رمال الموضة المتحركة، فظهرت ثياب الربط، كما أشرنا إليها في أنواع الثياب، وهي بطبيعة الحال لا تتماشى وعادات وتقاليد وأعراف السودانيين

وكذلك من المسودات التي بموجبها أعلنت الحرب على الثياب، العباءة  فمعظم الفتيات حديثات الزواج يحبّزن إرتداء العباءة لكونها ساترة، وفي نفس الوقت ينقضن في أنفسهن بتضييقها من الخِصر وهذا ما لا يتوافر في الثوب  

تختلف أمزجة النساء وكثيراً ما يتدخل العنصر النفسي في قطع العزم على شراء الثوب، فنجد النساء الأُمدرمانيات يملن الى شرائه من ردهات أسواق أمدرمان العتيقة، يغوصن وسط الزحام وأعناقهن مشرئبة تتطلع لإقتناء الأفضل

سوق ليبيا.. مستودع الثياب السودانية جملة وقطاعي، فما أن يعلن شخصاً عن تجهيز  الشيلة حتى يكون إسم سوق ليبيا حاضراً في المداولات، فهذا السوق قد زوّج نصف سكان العاصمة فضلاً عن الأقاليم، أو كما حكى لنا الضو بخيت  أن هذا السوق يعتبر أولى خطوات إعتلاء مدرجات الخروج من حياة العزوبية، فما أن يصل الزبون الى مشارف السوق ويطل على دكاكين الثياب حتى يسمع مقولة  إتفضل يا عريس، إتفضل يا عريس!!  

بعض النساء ينتهجن مبدأ  (Sharing)، فيقمن بشراء نصف دستة من الثياب بأشكال وألوان مختلفة على أن يدفعن ثمنها بسعر الجملة، وهي طريقة حرّكت القوة الشرائية أيضاً

لا ترتدي المرأة السودانية الثياب الفاخرة ذات الثمن الغالي في كل وقت بل ترتديها في المناسبات أو الزيارات الاجتماعية المقدرة، وعادة لا تغتني المرأة ثياب غالية السعر، فيما تغتني عدداً كبيراً من ثيابٍ درجت المرأة السودانية على تسميتها تسمية طريفة تُعبِّر عن حقيقة وواقع استخدامه وتطلق عليه ثوب الجارات، هو ثوب ضروري للمرأة السودانية، فعادة ما ترتديه في البيت حال وجود ضيف غريب، وهو ذات الثوب الذي تزور به جاراتها في الحي، ومن هنا جاءت التسمية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.