في نقد الإصلاح العدلي: حمزة كان أبي، والعدل قضية وطن قراءة نقدية لورقة مولانا عوض النور الحسن

 

«الإصلاح العدلي في السودان: رؤية تأسيسية لمنظومة عدالة متكاملة في مرحلة ما بعد الحرب»

مهندس: طارق حمزة زين العابدين

فيرجينيا – الولايات المتحدة الأمريكية

22/08/2026

تمهيد

حين يُذكر العدل… حمزةُ كان أبي،

وعندي من العدل ما يكفي لأن أستمع إليه بإجلال،

لا أن أتحدث عنه من علٍ أو أدّعي الوصاية عليه.

كان والدي المرحوم مولانا حمزة زين العابدين، قاضي المحكمة العليا ورئيس الجهاز القضائي في جنوب السودان قبل الانفصال، من رجال القضاء الذين حملوا رسالته في أنحاء السودان، وخدموا الناس حيثما استدعتهم الوظيفة والواجب. ثم اختار الله له أن تكون خاتمته في جنوب السودان، حيث توفي ودُفن، بعد أن ترك سيرةً قوامها النزاهة، والإنصاف، والإخلاص لهيبة القانون.

 

وفي تلك السنوات، وأنا تلميذ أرافق والدي بين أقاليم السودان التي خدم فيها، كنت أرى مولانا عوض النور الحسن في زياراته إلى تلك الأقاليم. ولم تكن تلك الزيارات تمر عابرة في ذاكرتي؛ فقد كنت أسمع والدي يذكره دائمًا بهمسة فخرٍ وإعزاز، بوصفه قاضيًا متميزًا من رجال القضاء السوداني، يحمل من العلم والخبرة والخلق ما يجعله موضع تقدير زملائه قبل العامة. ثم مضت الأيام ليصبح مولانا عوض النور الحسن النائب العام، ثم وزيرًا للعدل في السودان، وظل اسمه مرتبطًا بخدمة القانون والعدالة.

 

وبكل تواضع، لم أسلك طريق القضاء، بل اتجهت إلى عالم الهندسة والتكنولوجيا والعمل التنفيذي، وهي مسيرة أتاحت لي أن أرى أثر التقنية في تطوير المؤسسات والخدمات العامة، وفي رفع الكفاءة وحسن إدارة الموارد والوقت. غير أن القضاء ظل حاضرًا في وجداني، لا بحكم صلة الرحم وحدها، بل بحكم البيئة التي نشأت فيها، وذاكرة البيت التي كانت العامرة بأسماء القضاة وأهل القانون ومعاني العدالة.

 

فقد واصل شقيقي القاضي مولانا خالد حمزة زين العابدين مسيرة والدنا الراحل في محراب القضاء، وكان قبلنا عمنا مولانا سيد أحمد زين العابدين، أطال الله عمره، أحد رجالات النيابة العامة وفقهاء القانون في السودان. كما كان المرحوم عمي مولانا محمد عبد الرحيم علي من أهل القانون والقضاء، وكان مولانا جلال الدين محمد عثمان، رئيس القضاء الأسبق، من رموز العدالة الذين عرفتهم الأسرة واعتزت بسيرتهم. وهكذا فتحت عيني على العدل والعدالة، وأغمضهما على احترام القضاء ورجاله، وعلى اليقين بأن هيبة الدولة لا تستقيم إلا بهيبة القانون، وأن القانون لا تكون له هيبة إلا إذا كان عدلًا يطبق على الجميع.

 

ومن هذا الموقع، ومن خبرة مهنية في الهندسة والتكنولوجيا والاتصالات، أجد نفسي معنيًا بالحديث عن التحول الرقمي في مجال العدالة. لا باعتباره بديلًا للقاضي أو للضمير القضائي، بل بوصفه أداة تعين المؤسسة العدلية على حماية الملفات، وتنظيم العمل، وتيسير الوصول إلى الخدمة، وصون حقوق الناس من الضياع أو التأخير.

 

جذور التحول الرقمي في القضاء السوداني

 

أشهد أن فكرة استخدام التقنية في القضاء السوداني لم تبدأ اليوم، ولم تنشأ مع الحرب أو بعدها. فقد كانت لها بدايات جادة وطموحة في أعوام سابقة، إبان رئاسة القضاء للمغفور له مولانا حيدر أحمد دفع الله، الذي أُشهد له بأنه وضع لبنات مسار التحول الرقمي القضائي الذي تدعو إليه المقالة اليوم. كان مشروع أرشفة الأحكام القضائية من المشروعات الرائدة في ذلك الوقت، يحمل رؤية سابقة لزمانها في حفظ السوابق القضائية، وتيسير الرجوع إليها، وحماية الذاكرة القانونية للقضاء السوداني.

 

أشهد كذلك أن مولانا عوض النور الحسن، كاتب هذا المقال، كان له دورٌ رائد ومؤثر في بلورة فكرة التحول الرقمي وربط الأجهزة العدلية إلكترونياً. وقد تواصل معي مراراً في تلك الفترة، وكان يحمل هماً حقيقياً وإصراراً واضحاً على إنجاح هذا المشروع لما له من أثرٍ كبير في تطوير العدالة ورفع كفاءة مؤسساتها. وأذكر أنه أقام ندوةً بارزة حول هذا الموضوع، حضرتها قيادات الدولة آنذاك، يتقدمهم السيد رئيس الجمهورية.

 

ومن باب التوثيق للتاريخ، فإن مولانا عوض النور الحسن يُعد أول قانوني بادر عملياً إلى فصل مهام النائب العام عن مهام وزير العدل. فقد كان يتولى المنصبين في وقتٍ كانت فيه الوظيفتان مجتمعتين، إلا أنه بذل جهداً مقدراً من أجل الفصل بينهما، إيماناً منه بأن استقلال النيابة العامة وتعزيز التخصص المؤسسي يمثلان خطوة ضرورية لتحقيق مزيد من العدالة والكفاءة في العمل العدلي. وقد آثر لاحقاً أن يكتفي بمنصب وزير العدل، في موقف يعكس فهماً عميقاً لمعنى العدالة المؤسسية وتغليباً للمصلحة العامة على الاعتبارات الشخصية. فأن يتنازل مسؤول كان يتولى وزارتين سياديتين عن إحداهما من أجل ترسيخ استقلال المؤسسات، هو موقف جدير بالتقدير والتسجيل.

 

ومن هنا، فإن الرجاء موجّه إلى رئيس القضاء الحالي مولانا عبد العزيز فتح الرحمن عابدين أن يُعاد النظر في ما أُنجز في تلك المرحلة، وأن تُراجع الوثائق والمشروعات والتجارب التي بدأت في عهد مولانا حيدر أحمد دفع الله وكذلك مولانا عوض النور الحسن، لا على سبيل الحنين إلى الماضي، بل للاستفادة من الجهد المتراكم والبناء عليه. فالمشروعات الوطنية الكبيرة لا تبدأ دائمًا من الصفر، وإنما تنضج حين تحفظ ذاكرتها المؤسسية وتصل ما انقطع من تجاربها.

 

رجال القضاء السوداني: ذاكرة الأمة

 

لقد تفتحت عيناي على جيل كبير من رجالات القضاء ورؤساء القضاء في السودان، ممن حملوا أمانة العدالة في مراحل مختلفة من تاريخ البلاد: مولانا خلف الله الرشيد، مولانا دفع الله الحاج يوسف، مولانا فؤاد الأمين عبد الرحمن، مولانا محمد ميرغني مبروك، مولانا جلال علي لطفي، مولانا عبيد حاج علي، مولانا حافظ الشيخ الزاكي، مولانا جلال الدين محمد عثمان، مولانا محمد حمد أحمد أبو سن، مولانا حيدر أحمد دفع الله، مولانا عبد المجيد إدريس علي، وصولًا إلى رئيس القضاء الحالي مولانا عبد العزيز فتح الرحمن عابدين.

 

نسأل الله الرحمة والمغفرة لمن مضى منهم إلى جواره، والصحة والعافية وطول العمر لمن بقي، حتى تظل خبراتهم رصيدًا وطنيًا تستفيد منه الأجيال الجديدة ومؤسسات العدالة في مرحلة إعادة البناء. كما نتطلع إلى الاستماع إلى الخبرات المتراكمة لرجال القضاء والقانون، وإلى الإفادة من علمهم في صياغة مستقبل أكثر رسوخًا للعدالة السودانية.

 

وفي هذا السياق، يبرز اليوم رئيس المحكمة الدستورية، العالم الجليل مولانا الدكتور وهبي محمد مختار، وإلى جانبه أعضاء المحكمة الدستورية الأجلاء: مولانا عبد الرحمن يعقوب، مولانا سمية الرشيد ميرغني، مولانا حاج آدم الطاهر، مولانا سومي زيدان عطية، مولانا محمد أحمد طاهر، ومولانا محمد إبراهيم الطاهر. وهم جميعًا، بما يحملون من علم وخبرة ومسؤولية، نجوم تتلألأ في سماء العدالة السودانية، ويُرجى أن يكون لهم إسهامهم المقدر في تثبيت دعائم الدستور، وصون الحقوق، وترسيخ دولة القانون.

 

أُولَئِكَ آبائي فَجِئْني بِمِثلِهِمُ

إذا جَمَعَتنا يا جريرُ المَجامِعُ

لذلك أقرأ مقالة مولانا عوض النور الحسن لا باعتبارها نصًا عاديًا في إصلاح مؤسسات العدالة، بل باعتبارها صوتًا صادرًا من أحد أعمدة القضاء السوداني ومن جيلٍ عرف القضاء رسالةً ومسؤوليةً وطنية. وهي دعوة تستحق التقدير والنقاش والبناء عليها؛ لأن إعادة إعمار العدالة لا تبدأ من الحجر أو التقنية وحدهما، وإنما من استعادة ذلك المعنى الرفيع للقضاء الذي جسّده رجال من أمثال مولانا حمزة زين العابدين ومولانا عوض النور الحسن.

 

قراءة في المقال

 

تقدم مقالة مولانا عوض النور الحسن رؤية مهمة وطموحة لإصلاح العدالة في السودان بعد الحرب، وبصفة خاصة في مجالات الرقمنة، وإدارة الدعوى، والأرشفة، والتدريب. وتمثل في جوهرها دعوة جادة إلى ألا يقتصر الإعمار على إعادة تشييد المباني واستبدال الملفات التالفة، بل أن يمتد إلى تحديث أدوات العدالة، وحماية ذاكرة القضاء، وتيسير وصول المواطنين إلى حقوقهم.

 

وهي رؤية ذات قيمة لأنها تنطلق من واقع الحرب وما خلّفته من تعطيل للمحاكم والنيابات والخدمات القانونية، وتلف أو فقدان للملفات والسجلات، ونزوح للكوادر والمواطنين. ولذلك تضع المقالة سؤال العدالة في موقعه الصحيح ضمن مشروع إعادة بناء الدولة واستعادة الثقة العامة.

 

عناصر القوة

 

من أهم ما تميزت به المقالة أنها لا تتعامل مع التحول الرقمي بوصفه ترفًا تقنيًا أو مجرد شراء أجهزة وبرامج، وإنما بوصفه إصلاحًا لطريقة إدارة العدالة نفسها.

 

وتؤكد المقالة أن إدارة الدعوى الإلكترونية يجب أن ترافق القضية منذ تسجيلها، وتحديد المحكمة المختصة، وسداد الرسوم، وإيداع المذكرات والمستندات، والإعلان، والجلسات، والأحكام، والطعن والتنفيذ، وصولًا إلى الأرشفة.

 

كما تبرز أهمية الأرشفة الرقمية بوصفها حمايةً لذاكرة العدالة وحقوق المواطنين، لا مجرد وسيلة إدارية لحفظ الورق، خصوصًا بعد ما كشفت عنه الحرب من خطورة الاعتماد على ملفات ورقية وحيدة قابلة للتلف أو الفقد.

 

وتقدم المقالة تصورًا متوازنًا للتقاضي عن بُعد؛ فلا تدعو إلى إلغاء المحكمة التقليدية، بل إلى إضافة طريق مأمون آخر للوصول إلى العدالة، وهو أمر بالغ الأهمية في بلد واسع المساحة وفي ظروف النزوح وصعوبة الحركة.

 

وتضع التدريب المستمر في قلب مشروع الإصلاح، وتؤكد أن التقنية وحدها لا تصنع عدالة ما لم تقترن بقاضٍ ووكيل نيابة ومستشار وموظف مؤهلين. كما تضع حدًا فاصلًا مهمًا بين الاستفادة من القطاع الخاص في الخدمات الفنية، مثل البرمجيات والاتصالات والمسح الضوئي والصيانة، وبين بقاء السلطة القضائية والتحقيقية واتخاذ القرار في يد مؤسسات الدولة العدلية وحدها.

 

استقلال القضاء والعدالة

 

تفتح المقالة بابًا مهمًا للحديث عن العلاقة بين الإصلاح الإداري والتقني وبين استقلال المؤسسات العدلية. فالسرعة في الإجراءات، وحسن إدارة الملفات، وتطور وسائل الخدمة، عناصر ضرورية؛ لكن العدالة تكتمل كذلك باستقلال القاضي، وضمان سيادة القانون، ووضوح حدود العلاقة بين القضاء والنيابة والشرطة والسلطة التنفيذية.

 

وتزداد قيمة أي تحول رقمي حين يكون جزءًا من بيئة مؤسسية تحمي القرار القضائي من التدخل، وتضمن المهنية في التعيين والترقي والمساءلة، وتتيح الشفافية في إدارة الموارد والإجراءات. فالمنصة الرقمية لا تحل محل القاضي المستقل، لكنها قد تمنحه أدوات أفضل لأداء رسالته، وتوفر للمواطن طريقًا أكثر وضوحًا لمتابعة قضيته.

 

ومن هنا، فإن إعادة بناء العدالة ينبغي أن تجمع بين استقلال الأجهزة العدلية، وتأهيل القضاة وأعضاء النيابة والمحامين والموظفين، وإصلاح الإدارة والإجراءات، وحماية الوثائق والبيانات، وتيسير الوصول للمواطنين، وتطوير القوانين المنظمة للتقاضي والخدمات العدلية الرقمية، وبناء الثقة عبر الشفافية وسرعة الإنجاز والمساواة أمام القانون.

الأرشفة وذاكرة القضاء

تستحق أرشفة الأحكام القضائية، في تقديري، أن تكون من أولى مراحل الإصلاح وأكثرها أثرًا؛ لأنها لا تتصل بالملف الإداري فحسب، بل تمس جوهر العمل القضائي نفسه: البحث، والاجتهاد، وتوحيد الفهم القانوني، وجودة التسبيب، وسرعة الفصل في النزاعات.

لقد تفتحت عيناي وأنا أرى والدي، في مراحل عمله بمحكمة الاستئناف والمحكمة العليا، يقضي أسابيع، بل أحيانًا شهورًا، في الرجوع إلى الأحكام القضائية السابقة والاستهداء بها عند صياغة أحكامه. كان ذلك يتم عبر مكتبة ضخمة في المنزل، تمتد مجلداتها الورقية الثقيلة إلى سقف البيت؛ مجلدات تجمع السوابق والأحكام القضائية التي كانت مصدرًا للبحث والتأمل والمقارنة.

وكان الوصول إلى حكم سابق ذي صلة يتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين: البحث في المجلدات، ومراجعة الوقائع والمبادئ، وربطها بالقضية المعروضة. ولم يكن ذلك ترفًا علميًا، بل جزءًا أصيلًا من تجويد الحكم القضائي؛ لأن القاضي يستهدى بما استقر عليه القضاء، ويزن النصوص والوقائع في ضوء خبرة قضائية متراكمة.

لهذا كنت من المتحمسين لمشروع الأرشفة الذي بدأ في عهد مولانا حيدر أحمد دفع الله. فقد بدا لي آنذاك، ولا يزال، أنه مشروع ينحاز إلى القاضي والمتقاضي معًا. فحين تصبح الأحكام مصنفة ومفهرسة وقابلة للبحث الإلكتروني وفق الموضوع، أو المادة القانونية، أو المحكمة، أو التاريخ، أو الكلمات المفتاحية، يمكن للقاضي أن يصل إلى السوابق المطلوبة في ساعات، وربما دقائق، بدل أن يستغرق البحث أسابيع أو شهورًا.

وهذا الاختصار للزمن لا ينتقص من عمق الاجتهاد القضائي؛ بل يمنح القاضي وقتًا أكبر لفهم الوقائع، والاستماع العادل للخصوم، وتمحيص الأدلة، وصياغة حكم واضح ومسبب. كما يساعد على سرعة الفصل في القضايا، ويحد من التأجيلات التي تثقل كاهل المتقاضين وتؤخر وصولهم إلى حقوقهم. فالعدالة المتأخرة قد تضعف أثر العدالة، أما العدالة السريعة المنضبطة فهي عون للقاضي وطمأنينة للمتقاضي.

ثم إن الأرشفة الإلكترونية تحفظ ذاكرة القضاء السوداني ومكتبته الثرية، وهي ثروة قانونية وفكرية امتدت إلى ما قبل استقلال السودان واستمرت بعده. هذه الذاكرة ليست ملكًا لجيل بعينه، ولا حكرًا على مؤسسة منعزلة، بل هي رصيد وطني ينبغي حمايته من التلف والضياع، وإتاحته للقضاة والباحثين وطلاب القانون في إطار قانوني منظم.

والقضاء السوداني، بما عرف به القاضي السوداني من إحكام في الصياغة، ورصانة في اللغة، واتزان في التسبيب، وحكمة في الموازنة بين النص والواقع، يمتلك تراثًا قضائيًا جديرًا بالحفظ والدراسة. وحين يُفهرس هذا التراث ويؤمَّن ويصبح قابلًا للبحث والاستفادة، فإنه لا يخدم العدالة السودانية وحدها، بل يمكن أن يكون إسهامًا معرفيًا وإنسانيًا تستفيد منه المجتمعات القانونية في نطاق أوسع.

لذلك فإن مشروعًا وطنيًا لإحياء أرشيف الأحكام القضائية ينبغي أن يبدأ بحصر ما تبقى من المجلدات والأحكام والوثائق، وتحديد أولويات الإنقاذ، ثم المسح الضوئي الاحترافي، والتحقق من جودة النسخ، واستخراج النصوص ومراجعتها، وفهرستها وفق معايير موحدة، وحفظها في مستودعات إلكترونية مؤمنة، مع إتاحة مستويات وصول مناسبة للقضاة والباحثين والمحامين وطلاب القانون، وفق ما يحدده القانون.

استكمال الرؤية: خريطة طريق تنفيذية

ومع التقدير الكامل للمقالة، فإن أهم ما يمكن البناء عليه هو الانتقال من الرؤية العامة إلى خريطة تنفيذية متدرجة، تراعي ظروف السودان الواقعية بعد الحرب.

المرحلة الأولى: حماية المقار والملفات

تبدأ المرحلة الأولى بحماية المقار والملفات، وحصر السجلات الباقية، وتحديد ما فقد أو تلف، وإعادة تشغيل الخدمات القضائية والنيابية الأساسية حيثما أمكن. وفي هذه المرحلة، ينبغي أن تحظى ملفات الحقوق المدنية والملكية والأحوال الشخصية والقضايا الجنائية بأولوية خاصة؛ لما يترتب على فقدانها أو تأخرها من آثار مباشرة على حياة المواطنين.

المرحلة الثانية: التجريب المؤسسي المنضبط

ثم تأتي مرحلة تجريب مؤسسي منضبط، تطبق فيها إدارة الدعوى والأرشفة الرقمية في عدد محدود من المحاكم والنيابات المختارة، مع تقييم دقيق للنتائج والمعوقات قبل التعميم. وينبغي أن يرافق هذه المرحلة برنامج تدريبي مكثف للقضاة ووكلاء النيابة والمحامين وموظفي السجل، لضمان استيعابهم للأدوات الجديدة والتعامل معها بكفاءة.

المرحلة الثالثة: التعميم التدريجي والتكامل

تركز هذه المرحلة على التوسع الأفقي في تطبيق المنظومة الرقمية، مع ربط المحاكم والنيابات إلكترونيًا على المستوى الوطني، وتوحيد قواعد البيانات، وتيسير تبادل المعلومات بين المؤسسات العدلية المختلفة. كما ينبغي في هذه المرحلة العمل على بناء بوابة إلكترونية موحدة للخدمات العدلية، تمكن المواطنين من متابعة قضاياهم، وسداد الرسوم، والاطلاع على الإجراءات عن بُعد.

عدالة ما بعد الحرب

في الختام، لا يمكن فصل مسألة الإصلاح العدلي عن السياق الأوسع لإعادة بناء الدولة السودانية بعد الحرب. فالعدالة ليست رفاهية ترفع شعارات، وليست مهمة ثانوية تؤجل إلى ما بعد إعمار الطرق والمدارس والمستشفيات. العدالة هي التي تمنح الإعمار معناه، وهي التي تحمي المكتسبات، وتجعل الناس يشعرون بأن دولتهم تساوي شيئًا.

وحين يكتب مولانا عوض النور الحسن عن الإصلاح العدلي، فإنه يكتب من موقع الرجل الذي عاش القضاء، وتقلد أرفع المناصب العدلية، وعايش تحدياته، وأدرك إمكانات تطويره. وهو يكتب أيضًا بوعي الرجل الذي يعرف أن التحول الرقمي ليس بدعة تقنية، بل استحقاق مؤسسي، وأن نجاحه مرهون بالإرادة السياسية، والموارد المالية، والكفاءات البشرية، والإرادة الجماعية لإصلاح عميق لا مجرد ترقيع.

إن إصلاح العدالة في السودان يحتاج أكثر من ورقات ورؤى، لكنه يبدأ بها. وهذه الورقة، بكل ما فيها من طموح ورصانة، تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح. أما الخطوة التالية، فهي مسؤولية الدولة ومؤسساتها وقادتها، وأيضًا مسؤولية المجتمع المدني والأكاديميين والخبراء، وأخيرًا مسؤولية كل مواطن يؤمن بأن العدالة هي الضمانة الأخيرة لحقه في العيش بكرامة.

خاتمة

إن مقالة مولانا عوض النور الحسن تفتح نقاشًا وطنيًا جادًا في وقت يحتاج فيه السودان إلى أفكار تأسيسية لا تكتفي بتشخيص الأزمة، بل تقترح مسارات عملية للخروج منها. وهي تذكرنا بأن بناء العدالة بعد الحرب ليس عملًا فنيًا أو إداريًا منفصلًا، بل مشروعًا وطنيًا يلامس حقوق الناس، وهيبة الدولة، واستقرار المجتمع، وجاذبية الاستثمار، وإمكان قيام سلام مستدام.

وإذا كان إعمار المباني أمرًا ضروريًا، فإن إعمار الثقة أهم؛ وإذا كانت المنصات والملفات الرقمية أدوات لازمة، فإن القاضي المؤهل والمستقل والضمير المؤسسي الحي يظلان أساس العدل. ومن هنا تأتي قيمة هذه الدعوة: أن نعيد بناء ما تهدم، ولكن على صورة أرقى وأعدل وأقدر على حماية المواطن والدولة معًا.

ومن هذا المقام، أتوجه بمناشدة صادقة إلى مولانا العالم الدكتور عوض النور الحسن أن يواصل هذا الجهد في مقالات ودراسات قادمة. فالأجهزة العدلية في بلادنا، وفي هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ السودان، تحتاج إلى أن تقرأ، وأن تستمع، وأن تتعلم من تجارب رجالها ومن علمهم المتراكم. وما يكتبه أهل الخبرة ليس مجرد رأي عابر، بل رصيد وطني يمكن أن ينير طريق الإصلاح، وأن يختصر على المؤسسات سنوات من التجربة والتعثر.

كما أدعو قامات القضاء والنيابة والعدالة والمحاماة في بلادنا، أمثال مولانا خلف الله الرشيد، وغيره من رجالات القانون، إلى أن يحذوا حذو مولانا عوض النور الحسن: أن يكتبوا بسخاء، وأن يفتحوا خزائن تجاربهم للأجيال الجديدة، وألا يحبسوا علمهم وخبرتهم في الصدور. فالمعرفة القضائية حين تُدوَّن وتُناقش وتُنقل تصبح جزءًا من ذاكرة الوطن، وتتحول من تجربة فردية إلى قدرة مؤسسية باقية.

إن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى إعادة تشييد المحاكم واستعادة الملفات، بل يحتاج كذلك إلى استعادة الحوار المهني الرصين بين رجالات القضاء والنيابة والمحاماة والجامعات وطلاب القانون. ومن هذا الحوار تولد الأفكار، وتُصحح المسارات، وتُبنى المؤسسات التي تليق بتاريخ القضاء السوداني وتطلعات شعبه إلى عدالة مستقلة، ناجزة، ومصونة.

والله ولي التوفيق

مهندس: طارق حمزة زين العابدين

فيرجينيا – الولايات المتحدة الأمريكية

22 أغسطس 2026م