تقرير: سمنار “أثر الانشقاقات في الميليشيا – الفنجري نموذجاً” يكشف أبعاد الإنشقاق وآفاق العفو العام

أم درمان – سناء محمدعلي

نظم مركز الفضاء الثقافي بأم درمان سمناراً بعنوان “أثر الانشقاقات في الميليشيا – الفنجري نموذجاً”، بحضور عدد من القيادات السياسية والقانونية والإعلاميين، تناول أثر الانشقاقات في إضعاف قوات الدعم السريع، والأبعاد القانونية للعفو العام، ومستقبل استعادة الأمن والاستقرار.

وترأس الجلسة الأستاذ أحمد الصالح صلوحة، وقدمت خلالها ورقة بعنوان “العفو العام وتداعياته القانونية” للدكتور العلامة محمد إسماعيل.

*الفنجري: لا أبحث عن عذر ولا أتنصل من المسؤولية*

وقدم المقدم المنشق محمد أزرق الفنجري اعتذاراً علنياً للشعب السوداني عن الفترة التي قضاها في صفوف قوات الدعم السريع، مؤكداً أنه لا يبحث عن عذر ولا يتنصل من المسؤولية.

وقال الفنجري: “لا أبحث لنفسي عن عذر، ولا أتنصل من المسؤولية، ولا أطلب منكم أن تنسوا ما عانيتموه من ويلات الحرب، وإنما أقف أمامكم وأمام الله موقفاً واضحاً وصريحاً لا يحتمل التأويل”.

وأضاف: “جئتُ بانشقاقي بعد مراجعة عميقة ومصالحة مع النفس والضمير، وبعد أن اتضحت لي حقيقة التناقض بين الشعارات التي رُفعت باسم العدالة والكرامة والمساواة، وبين الممارسات التي شهدتها وما ترتب عليها من معاناة إنسانية جسيمة”.

وتقدم باعتذار للأمهات اللاتي فقدن أبناءهن، وللأطفال الذين حُرموا من الأمن والتعليم، وللنساء اللاتي تعرضن لانتهاكات، وللأسر التي شُرّدت من منازلها، ولكل مواطن سوداني أصابه ضرر من هذه الحرب.

وأكد أن الاعتذار لا يعيد روحاً أُزهقت ولا يعوض بيتاً دُمّر، مشدداً على أن صدق التوبة لا تثبته الأقوال وحدها، وإنما تثبته الأفعال والمواقف والاستقامة.

*أسباب الاعتراض والانشقاق*

وقال الفنجري إن من بين أسباب اعتراضه ما رآه من تمييز بين الأفراد، وتفاوت في معاملة المصابين، وممارسات قائمة على المحاباة والولاءات الضيقة، إلى جانب وقائع تتعلق بمعاملة بعض القادة والجنود، وهي مسائل تستوجب التحقيق المستقل والمحاسبة العادلة.

وأضاف أنه يحمل قناعة راسخة بأن التدخلات الخارجية التي تؤجج الحرب وتطيل أمدها تمثل خطراً بالغاً على سيادة السودان واستقلال قراره الوطني، مؤكداً استعداده لتقديم ما يملكه من معلومات ومشاهدات للجهات المختصة للتحقق منها وفق القانون.

وقال: “إن السودان ليس غنيمة لأحد، ولا ملكاً لأسرة أو قبيلة أو تنظيم، ولا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. السودان وطننا جميعاً، وتاريخه أمانة في أعناقنا، وثرواته حق لأجياله الحاضرة والقادمة”.

*رسالة إلى المسيرية وكل السودانيين*

وخاطب الفنجري أهله وأبناء المسيرية خاصة، وجميع القبائل والمكونات الاجتماعية السودانية، بلسان الأخوة والمسؤولية، داعياً إياهم إلى مراجعة المواقف بعيداً عن التعصب والضغوط والولاءات الشخصية، مشيراً إلى أن مجتمعاتهم دفعت ثمناً باهظاً من أرواح شبابها واستقرار أسرها، ولا ينبغي أن تستمر هذه المعاناة إلى ما لا نهاية.

وقال إن كرامة أبناء المسيرية، شأنها شأن كرامة كل أبناء السودان، لا تتحقق بتبعيتهم لأي قائد أو أسرة، وإنما تتحقق بصون حياتهم وحقوقهم ومستقبلهم، وبإسهامهم في بناء وطن يسع الجميع.

ودعا كل من لا يزال في صفوف قوات الدعم السريع إلى مراجعة موقفه، ورفض الاعتداءات على المدنيين، والامتناع عن المشاركة في أي انتهاكات، والاستفادة من المسارات القانونية والآمنة المتاحة للخروج من دائرة الحرب.

وأعلن الفنجري أن موقفه الجديد ليس موقفاً مؤقتاً تفرضه الظروف، ولا تحولاً تحكمه حسابات المصالح، وإنما هو التزام وطني وأخلاقي يضع نفسه بموجبه في خدمة السودان وشعبه ومؤسساته الوطنية الشرعية، معلناً احترامه للقوات المسلحة السودانية ووصفها مؤسسة وطنية، ومؤكداً أن حماية الوطن وسيادته يجب أن تقترن بحماية المواطنين واحترام القانون وصون كرامة الإنسان ومحاسبة كل من تورط في الانتهاكات أياً كان انتماؤه.

وأكد استعداده للتعاون مع الجهات العدلية المختصة وتقديم ما لديه من معلومات تُسهم في كشف الحقائق وإنصاف الضحايا.

وقال: “هذا عهدي أمام الله ثم أمام الشعب السوداني، أن أضع مصلحة السودان فوق كل اعتبار، وألا أكون مرة أخرى جزءاً من أي مشروع يستهدف الوطن وأمنه وشعبه وسيادته، وأن أعمل بما أستطيع وبالوسائل المشروعة من أجل حماية المدنيين وكشف الانتهاكات ودعم استعادة الأمن والاستقرار والمساهمة في بناء مؤسسات وطنية عادلة تحمي جميع السودانيين دون تمييز، وأن يكون ولائي للسودان لا لأشخاص، وللحق لا للعصبية، وللكرامة الإنسانية لا للقوة المجردة من الضمير”.

وأضاف: “يا أبناء وبنات السودان، الوطن الذي أثقلته الحروب لا يزال قادراً على النهوض، وما أصابكم من جراح وتشريد وآلام لا ينبغي أن يكون نهاية التاريخ، بل يجب أن يكون بداية مراجعة وطنية شجاعة تعيد الاعتبار للوطن”.

*صلوحة: الانشقاق لم يكن مفاجئاً*

من جانبه، كشف رئيس الجلسة القيادي أحمد الصالح أحمد صلوحة، وهو من القيادات الوطنية التي عارضت الميليشيا منذ اليوم الأول للحرب، أن انشقاق الفنجري لم يكن مفاجئاً، بل كان نتيجة خطة مدروسة لتفتيت الميليشيا من الداخل.

وقال صلوحة: “كنت على تواصل مستمر مع الفنجري لمدة عامين كاملين، بالتنسيق مع الاستخبارات العسكرية، وكان موجوداً داخل الميليشيا بأمر الاستخبارات، وبأمرنا نحن كسياسيين متواصلين معهم، وظل موجوداً حتى حان وقت خروجه”.

وأشاد صلوحة بوطنية الفنجري، قائلاً: “أنا أشهد له بأنه عنده وطنية عالية، والكلام اللي قالو أنا بصدّقو”.

*الانشقاقات أقوى من الحرب*

وأكد صلوحة أن سياسة الدولة في دعم الانشقاقات هي سياسة صحيحة، وأن الانشقاقات أفضل من الحرب، لأنها سلاح قوي يضعف الميليشيا عسكرياً ومعنوياً.

وقال: “الانشقاقات دي أضعفت الميليشيا بصورة غير عادية، والميليشيا الآن في أضعف حالاتها. والسلاح براهو ما بيقاتل”.

ودعا صلوحة أبناء الحواضن إلى اعتذار كبير واعتراف بالواقع، حتى تعود الثقة مع أهل السودان، مؤكداً أن الحرب ستنتهي لكن آثارها ستظل باقية إذا لم تتم معالجتها.

*الجانب القانوني والعفو العام*

وفي الجانب القانوني، تناول صلوحة مسألة العفو العام، مستشهداً بقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ}، مؤكداً أن التوبة قبل القدرة تُسقط العقوبات، وأن العفو العام موجود في التشريعات السودانية وله سوابق تاريخية.

كما قدم الدكتور محمد إسماعيل ورقة بعنوان “العفو العام وتداعياته القانونية”، تناولت الأطر القانونية للعفو وآثاره على العدالة الانتقالية وحفظ حقوق الضحايا.

*كلمة رئيس الجلسة في الختام*

وفي ختام السمنار، حيّا رئيس الجلسة أحمد الصالح صلوحة الذين نادوا ونصحوا أبناءهم بعدم الانخراط في مشروع الدعم السريع، ووصفه بالمشروع الفاشل، وحيّا أبناء شمال كردفان، وهنأهم بالانتصارات التي حققتها القوات المسلحة والقوات المشتركة في محور كردفان، مؤكداً أن القوات على عتبات دخول دارفور.

وشكر صلوحة الحضور والإعلاميين ومركز الفضاء الثقافي على تنظيم السمنار، مؤكداً أن الجلسة الختامية سيشرفها أقوام من الدولة.