عميد شرطة عثمان الضو سليمان يكتب : شكرٌ وعرفانٌ لمدينة كسلا .. وداعٌ بحجم الشوق.. وحنينٌ لا تطويه المسافات

 

من علائل القاش للسواقي

قدلة يا مولاي حافي،حالق

بالطريق الساقيهو الغمام.

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

في البدء، أتقدم بخالص الشكر وعظيم التقدير لكل الذين شاركوني لحظات التكريم والوفاء، يوم الخميس الموافق 9 أكتوبر 2026، بقاعة البستان، في مشهدٍ ترك في نفسي أثراً عميقاً، وزاد من ارتباطي الوجداني بهذه المدينة العظيمة بأهلها، النبيلة بأصالتها، والثرية بإنسانها وذكرياتها.

وغداً، الأحد، أختتم يومياتي مديراً على دفتر أحوال جمارك القطاع الشرقي بكسلا، وأغادر إلى قطاع النيل الأزرق، تنفيذاً لحركة التنقلات الراتبة والمعهودة في المؤسسات العسكرية؛ حيث لا ترف الاختيار في مثل هذه القرارات، ولا يملك المرء أمام نداء الواجب إلا أن يلبي، حتى وإن كان الرحيل هذه المرة أثقل من أن تحتمله خطاه.

أغادر، وأحمل في قلبي أمنيةً بأن أكون قد وفقت في أداء واجبي، إدارياً ومهنياً، وأن أكون قد تركت أثراً طيباً في نفوس زملائي ومنسوبي القوة، وأن أكون قد نلت رضاهم وتقديرهم، فذلك من أعظم ما يرجوه المرء بعد سنوات العمل والمسؤولية.

سبق لي أن عملت بكسلا برتبة الملازم أول، في شرخ الصبا وبواكير العمر، ثم عدت إليها برتبة العميد، أحمل قلم المدير، وأتوكأ على منسأة السنين، وفي القلب شوق قديم إلى مدينة لم تغادر الوجدان يوماً. عدت إليها أحمل قميص الشوق، وأحلاماً كثيرة بأن نقتبس من نورها وضيائها، ونستعيد بين جنباتها صدى الذكريات ودفء الماضي الجميل.

لكن للرحيل أحكامه، وللأقدار كلمتها.

أغادر كسلا، لا عن رغبة، فهي أرض الميلاد والأمشاج، وأرضٌ تسكن في دواخلنا كما يسكن النبض في العروق. أغادرها وقد ازددت بها تعلقاً، وكأن العودة إليها كانت موعداً مع ذاكرة العمر، وكأن الرحيل عنها الآن اقتلاعٌ لجزء عزيز من الروح.

علمتنا كسلا أن نرتاد التسكع في مرايا وجنتيها، وأن نقرأ الجمال في تضاريسها، ونستأنس بالسكينة في ظلالها. ولو أن زندها يحتمل الندى، لكسوت زندها ثوباً من العشب الطري، وألبستها إبرتين من العبير، وخيطاً من ماء القاش، لتظل كما عرفناها، عذبةً، نديةً، عصيةً على النسيان.

ستبقى كسلا جميلةً حين ينسكب القمر ضوءاً أبيض على سفوح توتيل، فتبدو كتلَ مرمرٍ ناصعة، وحين ينحني القاش انحناءته الوديعة عند أويتلا، وتسدل السواقي أهدابها على ضفاف النهر العظيم، فتغدو الطبيعة قصيدةً مفتوحةً لا تنتهي أبياتها.

ستبقى كسلا سيدي الحسن والضريح، وجنة الإشراق في قصائد توفيق صالح جبريل؛ والجبل النعسان وخضاره الوارف في أشعار إسحاق الحلنقي؛ و«حبيت عشانك كسلا» بصوت التاج مكي؛ وستبقى الحب الذي ليس قضيةً في وجدان أبي آمنة حامد، وعزوفة الدرويش المتجول في فضاءات الفيتوري.

ستبقى كسلا أكثر من مدينة؛ إنها حكاية جمال وصبا، وحديث هامس، ومفردة جامعة احتضنت الناس على اختلاف مشاربهم، فصار لكل زاوية فيها وجهٌ نحبه، ولكل شارع ذكرى نستعيدها، ولكل نسمة عابرة رائحةٌ تقودنا إلى زمنٍ لا نريد له أن يمضي.

وستظل كسلا وتراً لا ينقطع، تعزف عليه قيثارة إسحاق الحلنقي، وكجراي، والنور عثمان أبكر، وروضة الحاج، وأحمد حاج علي، وإبراهيم حسين، والتاج مكي، وعبد العظيم حركة، وعمر الشاعر، ومحمد مطر، وأنس العاقب، وهلاوي، وعزمي أحمد خليل، وعاطف الأمريكي، وعادل العمدة، وهاشم كجر، والمهندس عمر كدارة، وحسن كاليا، وحسن الضو «باولو»، وغيرهم من المبدعين الذين جعلوا من كسلا وطناً للأغنية والشعر والجمال.

هؤلاء لم يتركوا لنا مجرد كلمات وألحان، بل أورثونا حباً لمدينةٍ كلما ابتعدنا عنها اقتربت، وكلما حاولنا اختصار الحنين إليها اتسعت في دواخلنا مساحاته.

يا كسلا، يا مدينةً لا تُختصر في كلمات، ولا تُختزل في سنوات إقامة، ولا تحدّها مسافات الرحيل؛ سلامٌ عليكِ في كل صباح، وسلامٌ على القاش حين يفيض بالذكريات، وعلى توتيل حين يعانق الغيم، وعلى السواقي حين تهمس بأسماء العابرين، وعلى أهلك الذين جعلوا من الإقامة بين ظهرانيهم عشرةً ومحبةً ووفاءً.

أغادرك اليوم، لكنني لا أودعك وداعاً نهائياً؛ فثمة مدن نغادرها بأجسادنا، وتظل أرواحنا معلقةً على أبوابها، وثمة أماكن لا تصبح ماضياً مهما ابتعدت بنا الطرق، لأنها ببساطة تسكن فينا.

شكراً كسلا على ما منحتِني من ذكريات، وعلى ما أودعته في قلبي من محبة، وعلى أهلك الذين جعلوا من لحظة الوداع مناسبةً للوفاء، ومن التكريم رسالةً ستظل محفورةً في الوجدان.

شكراً لكل من شاركني رحلة العمل، ولكل من أحسن المعاملة، ولكل يدٍ امتدت بالمحبة، ولكل كلمة طيبة خففت عني وطأة الرحيل. سأحمل معي وجوهكم وذكرياتكم، وأمضي إلى موقعي الجديد مؤمناً بأن الأوطان الصغيرة التي نصنعها داخل قلوب الناس لا تغادرنا أبداً.

كسلا… كلامٌ ما في زول قال، وحبٌّ ما بتوصفو الكلمات.

وإن كان للرحيل من عزاء، فهو أن للقاء موعداً، وللشوق جسوراً، وللقلوب التي أحبت أن تعود، ولو بعد حين.

غداً نرحل… لكننا نترك في كسلا جزءاً منا، ونحمل منها عمراً لا تكفيه الذاكرة وحدها.

عميد شرطة / عثمان الضو سليمان

11 أكتوبر 2026م