كتب : عبد الله ود الشريف
في ظل شحّ الوقود، وصعوبة الطرق، واستمرار المخاطر، أثبت أبناء قبيلة الرشايدة أنهم أبطال الإنسانية في لحظة بطولية في مناطق التعدين بشمال الوادي؛ إذ تضمنت مبادرتهم إيصال المياه والغذاء، ونقل المصابين إلى المستشفيات، وفق مقاطع فيديو أظهرت سياراتهم وهي تشق الطريق وسط ظروف قاسية. وجاءت هذه الفزعة في وقتٍ تعرّض فيه المعدّنون في تلك المناطق، بحسب شهادات محلية ومقاطع متداولة، لقصف بالطيران وعمليات قتل، خلفت شهداء وجرحى، وتركت خلفها آبارًا صامتة وقلوبًا مثقلة بالحزن. وقد لاقت المبادرة تفاعلًا واسعًا، وكشفت عن معدن الرجال في وقت تزداد فيه الحاجة إلى التكاتف.
في مناطق التعدين بشمال الوادي، حيث لا يسمع المعدّنون إلا صوت الطيران، ولا يرون إلا الغبار يتصاعد من الحفر، وحيث الرجال ينامون في العراء، ويحسبون أنفاسهم واحدة واحدة.. هناك، كان الموت يمرّ كل يوم، ولا يترك إلا الحزن.
رجالٌ خرجوا من ديارهم بحثًا عن لقمة عيش، فوجدوا أنفسهم محاصرين بين الجبال والآبار والصمت. لا بيت يحميهم، ولا جدار يسترهم، ولا ماء يكفيهم، ولا طعام يسدّ رمقهم. جرحى يصرخون في العراء بلا دواء، ولا طبيب، ولا سيارة تحملهم. وشهداء سقطوا وهم يحفرون، أو وهم يحملون الماء، أو وهم يبحثون عن طريق نجاة لم يجدوه. وأصواتٌ صارت همسًا: «يا رب.. أحد يجينا».
وفي هذا الظلام الذي لم يبقَ فيه أمل، جاءت الفزعة.جاء أبناء الرشايدة.لم ينتظروا نداءً طويلًا، ولم يسألوا عن التكاليف. حمّلوا سياراتهم بالمياه والطعام، وتوجهوا نحو المعدّنين، ورفعوا الجرحى على الأكتاف، وحملوهم إلى المستشفيات. وفي زمنٍ يبخل فيه الناس بقطرة وقود، قدّموا ما لديهم، وقدّموه كله، وواجهوا الطريق والخطر، وهم يعلمون أن العودة ليست مضمونة.
ظهروا في الفيديو، وسياراتهم تشق الطريق، وما فيها من كماليات لم تُوجَّه للاستعراض ولا للمباهاة، بل لخدمة الجرحى والمصابين. وقف المتابعون أمام هذا المشهد عاجزين عن الكلام، تبكي عيونهم، لا حزنًا على السيارات، بل حزنًا وإجلالًا على قلوبٍ ما زالت تنبض بالخير في زمنٍ قلّ فيه الخير.
كيف لرجالٍ أن يفعلوا هذا وهم في أشد الحاجة؟ كيف يتحركون والوقود شحيح، والطريق خطر، والسماء لا ترحم، والموت على بعد خطوة؟ لكنهم فعلوا. وبكل قوة، وبكل شهامة، وبكل رجولة.
لله درّكم يا أهل الرشايدة.
لله درّكم يوم وقفتم حيث يخاف الناس أن يقفوا.
لله درّكم يوم حملتم الجرحى، ومددتم الماء، وفتحتم الطريق، وقدّمتم ما تستطيعونه من أجل إخوتكم.
عرفناكم دائمًا أهل فزعة، ورجال مواقف. لا تنتظرون شكرًا، ولا تبتغون حمدًا. يكفيكم أن يقول أحدكم: «أنا في الطريق».. فيهدأ قلب من كان ينتظر الموت في العراء.
لقد أثبتّم أن الأخوّة ليست كلامًا يُقال، بل سيارةٌ تشق الطريق، ويدٌ ترفع المصاب، وقلبٌ يخفق من أجل الآخرين. شهادتنا فيكم ليست مجاملة، بل حقٌّ نطقت به الأفعال قبل الأقوال.
ستبقى هذه الفزعة محفورة في ذاكرة كل من رآها، وستبقى أسماؤكم رمزًا لكل معاني الرجولة والشهامة والتضحية.
ودعوات صادقة؛ لا نملك إلا أن نرفع أكفّ الضراعة إلى الله، بقلوبٍ كسيرة، وعيونٍ لا تجفّ:
اللهم تقبّل شهداء المعدّنين، واجعلهم في عليين، واجعل الجنة مثواهم، وارحمهم برحمتك التي وسعت كل شيء.
اللهم اشفِ جرحاهم شفاءً عاجلًا لا يغادر سقمًا، وكن معهم في كل ألم، وردّهم إلى أهليهم سالمين.
اللهم اربط على قلوب ذويهم، وخفّف عنهم، ولا تجعل في قلوبهم يأسًا.
اللهم فرّج عن إخواننا في شمال الوادي، وأعِد إليهم الأمن والسلام، وارفع عنهم البلاء.
اللهم احفظ السودان وأهله، واجمع شملهم، وأصلح حالهم.
اللهم بارك في كل من مدّ يده، وفي كل من حمل جريحًا، وفي كل من قدّم خيرًا. اللهم اجزهم خيرًا، وبارك فيهم، واحفظهم من كل سوء.
فأنتم، والله، تستحقون كل إشادة، وكل تحية، وكل تقدير. أنتم فعلًا رجال.. رجالٌ بمعنى الكلمة.