رمضان محجوب…. يكتب : مفضل.. قراءات باكو الأمنية

 

​▪️ تشكل مشاركة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، المدير العام لجهاز المخابرات العامة، في منتدى باكو للأمن بالعاصمة أذربيجان، محطة استراتيجية تستوجب التوقف أمام دلالاتها الفنية والمهنية بمعزل عن أي مبالغات إنشائية. لقد جاءت هذه الخطوة لتعكس طبيعة الحضور الأمني السوداني في المحافل الدولية، وسط مشاركة واسعة بلغت نحو تسعين دولة ومؤسسة، مما يبرز أهمية الدبلوماسية الاستخباراتية في تبادل الرؤى وتقديم المقاربات الأمنية حول الأزمات الإقليمية الراهنة.

​▪️ الحضور السوداني في هذا المحفل العالمي تجاوز حدود التمثيل البروتوكولي التقليدي نحو حراك اتسم بطابع النقاش المهني المباشر. فالمباحثات الثنائية التي أجراها رئيس الوفد مع قيادة جهاز أمن الدولة الأذربيجاني ركزت على استعراض طبيعة الأوضاع العسكرية والأمنية في البلاد، والوصول إلى تفاهمات أولية تمهد لتعاون ثنائي محتمل في مجالات تبادل المعارف الأمنية والخبرات التقنية بين الأجهزة النظيرة وفق المعايير المتعارف عليها.

​▪️ وضعت الكلمة الرسمية التي ألقاها رئيس الوفد السوداني الفريق أول مفضل المشاركين أمام قراءة موضوعية لطبيعة التهديدات المركبة التي تواجه الدولة جراء نزاع تمرد مليشيا الدعم السريع. إذ ركز الخطاب على تفصيل تداعيات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وأثر تدفقات الأسلحة والمعدات غير الخاضعة للرقابة الرسمية على استقرار المنطقة، مسلطاً الضوء على واقع ميداني يتطلب انتباه المجتمع الدولي لمخاطر تسليح الميليشيات خارج أطر الشرعية.

​▪️ وتطرق الطرح السوداني إلى مسألة بالغة الأهمية تتعلق باعتماد عناصر المليشيا المتمردة على شبكات مرتزقة أجانب ومصادر تمويل عابرة للحدود. حيث شكل هذا التناول دعوة فنية للمختصين بأجهزة الأمن الدولية لدراسة هذه الظواهر الإجرامية المستجدة، والوقوف على مسارات توريد السلاح وشبكات الدعم اللوجستي التي تغذي النزاعات المسلحة، مما يفرض تنسيقاً أدق لمراقبة الحدود الإقليمية والقارية المشتركة لمكافحة هذه الأنشطة.

​▪️الطرح الأمني السوداني الذي قدمه الفريق مفضل تناول مخاطر توظيف التقنيات الحديثة، مثل الطائرات المسيرة ومنصات الاتصال المشفرة والعملات الرقمية، في إدارة وتمويل العمليات الإجرامية والإرهابية. وقطعا ان هذا التنبيه يعكس فهماً واقعياً لتحولات طبيعة التهديدات المعاصرة التي تجاوزت الحدود التقليدية، وأصبحت تعتمد على أدوات تكنولوجية متقدمة تستوجب من المؤسسات الأمنية تطوير قدراتها التقنية والسيبرانية لمواجهتها بفاعلية تامة ودون تهويل.

​▪️ في اعتقادي أن اهم إحدى نقاط الطرح السوداني كانت الدعوة الموضوعية لإنشاء منصة مرنة لتبادل المعلومات والتعاون الاستخباري لمواجهة المهددات المشتركة وتجفيف منابع تمويل الجريمة. فهذه الفكرة تعبر عن إدراك عملي لحاجة الأجهزة الأمنية إلى قنوات تواصل سريعة وفعالة بعيداً عن التعقيدات البروقراطية التقليدية، لتعزيز القدرة على رصد التهديدات العابرة للحدود والتعامل معها استباقياً وبشكل مؤسسي منظم ودقيق.

​▪️و تفرض هذه المشاركة الخارجية تحدياً واقعياً يتمثل في كيفية استثمار النتائج التقنية والتفاهمات الثنائية المبرمة على الأرض. فترجمة هذه الحوارات إلى خطوات عملية يتطلب متابعة مؤسسية مستمرة وبرامج عمل مشتركة تضمن الاستفادة من الخبرات المتبادلة، وتحويل النقاشات النظرية في المنتديات الدولية إلى آليات عمل تخدم المصالح الأمنية المشتركة وتدعم الاستقرار الإقليمي بصورة عملية وملموسة.

​▪️ كما هو معلوم فإن إدارة الملفات الأمنية الخارجية فهماً دقيقاً لطبيعة المصالح المتشابكة بين الدول في المحافل الاستخباراتية متعددة الأطراف. ومن هنا، فإن البناء على نتائج منتدى باكو يستدعي تقييماً مهنياً لمستوى التعاون المتاحة، وتحديد المجالات ذات الاهتمام المشترك بدقة، لضمان بناء شراكات ثنائية متوازنة تقوم على أساس الاحترام المتبادل وتبادل المعلومات المصنفة وفق الضوابط والقواعد القانونية الدولية المعتمدة.

​▪️ ويظل تطوير القدرات المؤسسية والبشرية للأجهزة الأمنية هو المعيار الحقيقي لمدى الاستفادة من المشاركات الخارجية والتفاعل مع التجارب الدولية المماثلة. ويتطلب ذلك التركيز على تدريب الكادر البشري على أحدث النظم التقنية والتحليلية المتعلقة برصد شبكات الجريمة المنظمة، وتطوير آليات إدارة الحدود، ورفع كفاءة التعامل مع المعطيات الرقمية والسيبرانية التي باتت تشكل عصب العمل الاستخباري الحديث.

​▪️ عموما.. أن تقييم أي مشاركة خارجية يجب أن يستند إلى مردودها المهني والعملي على تطوير الأداء المؤسسي للدولة. فالتعامل الموضوعي مع مثل هذه الفعاليات يتيح للقارئ والمختص إدراك حدود المكتسبات الأمنية والدبلوماسية بعيداً عن التضخيم، مما يضع الأمور في نصابها الصحيح ويخدم مسار العمل المهني والوطني بمجالات الأمن والاستقرار العام.