مهد الحروف .. د. هيثم حسن عبد السلام يكتب : بنوكنا.. هل هي لخدمة التنمية أم لزيادة ثراء الأغنياء؟

د. هيثم حسن عبد السلام .. خبير شؤون المستهلك

mismawia@yahoo.com

من الصعب والمؤلم جدًا أن نتأمل واقع القطاع المصرفي السوداني اليوم، ونرى كيف تحولت الآليات التي وُجدت أساساً لدعم الاقتصاد وتنمية المجتمع إلى جدار عازل يزيد الفقير فقراً ويفتح للأغنياء وحدهم أبواب الربح الفاحش. إن مسألة “تمويل البنوك للمواطن السوداني” أصبحت اليوم أشبه بمعادلة مقلوبة، تبتعد كل البعد عن روح التكافل والتنمية الحقيقية التي يحتاجها وطن يمر بظروف حرب استثنائية.

عندما يطرق المواطن البسيط، صاحب الدخل المحدود أو المشروع الصغير أو موظف الدواة ، أبواب المصارف بحثاً عن تمويل يخرجه من ضيق العيش، او توفير طاقة شمسبة او ادوات واجهره كهربائية ليعود الي بيته الذي خرج منه بسبب الحرب يصطدم بشروط تعجيزية وإجراءات قاسية تُشبه “صكوك الإذعان”. والأنكى من ذلك، هي تلك الفوائد والهوامش المركبة التي تفوق قدرة وتحمل المواطن البسيط وتتجاوز كل تصور منطقي؛ ليتفاجأ بأنه بدلاً من أن يجد طوق نجاة، يغرق في بحر من الديون والالتزامات التي تعمق فقره وتثقل كاهله.

إنها مفارقة عجيبة لا يمكن السكوت عنها، فكيف لمنظومة مصرفية وطنية أن تمنح الأموال الضخمة والتسهيلات الميسرة لأصحاب الملايين والشركات الكبرى، في حين تترك ذوي الدخل المحدود يصارعون تحت خط الفقر دون سند أو معين؟

إن هذه “القوانين الجائرة” والسياسات التمويلية العقيمة في حق طالب التمويل الصغير يجب أن تتغير فوراً .

لم يعد مقبولاً أن تظل هذه القوانين سيفاً مصلتاً يمنع الكادحين من الخروج من عنق زجاجة الفقر. إن تنمية المجتمع والحد من الفقر لن يتحققا عبر تقارير صامتة أو شعارات براقة، بل بفتح نوافذ تمويل مرنة وعادلة، تضمن وصول رأس المال إلى يد الشباب، والمرأة الريفية، وصاحب الحرفة الصغير.

أعينوا المواطن السوداني؛ فليست مهمة البنوك مجرد حفظ أموالنا وتدويرها في حلقة مفرغة لصالحهم وصالح فئة محدودة من أصحاب النفوذ المالي. البنوك في الدول التي تنشد النهوض هي عصب التنمية وحجر الأساس للاستقرار الاجتماعي، ووظيفتها الأخلاقية والوطنية تحتم عليها أن تكون شريكاً في بناء الإنسان، لا سبباً في إحباطه وسحقه.

لقد حان الوقت لتعديل هذه السياسات الجائرة، وإعادة صياغة ضوابط التمويل الأصغر لتصبح ملاذاً حقيقياً للتنمية، لا فخاً لتعميق الفوارق الطبقية.

فبعد ما عاشه المواطن السوداني خلال الحرب ومافقده من اموال وانفس يتطلب رؤية وسياسة جديدة للتمويل عبر البنوك اولها النظر في الغاء او تخفيض الفوائد غير المنطقية . اارحموا هذا الشعب، واجعلوا من اقتصادنا وسيلة للبناء.. لا للهدم.