رمضان محجوب… يكتب : رفقاً.. بأهل الكفاف..!!

 

​▪️ القرار الإنساني والحكيم الذي وجه به رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بعدم الملاحقة والتضييق على بائعات الشاي وأصحاب الكافيهات والمشروعات الصغرى، مع تخفيف الضرائب والرسوم عنهم، هو موقف شجاع يُحمد للقيادة. هذا التوجيه يجب ألا يظل حبيس العاصمة، بل ينبغي أن يتمدد ويُطبق فوراً في كل ولايات السودان، وفي مقدمتها الولاية الشمالية التي فتحت أذرعها وآوت آلاف الأسر النازحة والمنكوبة من ويلات حرب الكرامة.

​▪️ الوقائع تقول ان الحرب قد اكلت الأخضر واليابس، وأوقفت عجلة الإنتاج في البلاد، مما أدى إلى انكماش السوق وشلل الفرص الوظيفية بشكل غير مسبوق. وفي ظل هذه الظروف المعقدة، وجد آلاف المواطنين والشباب الشرفاء من أصحاب الدخل المحدود أنفسهم بلا مورد سوى الشارع؛ فخرجوا يعرقون ويطاردون اللقمة الشريفة بطرق حلال عبر “الطبليات” والأكشاك وستات الشاي، ليطعموا أطفالهم ويدفعوا إيجارات منازلهم في واقع حياتي ضاغط ومؤلم لا يحتمل المزيد من الجلد.

​▪️ لسنا مغيبين عن الواقع، ونقدر تماماً الحاجة الأمنية والضرورات التنظيمية والاحترازات المشددة التي تفرضها إدارة الولاية الشمالية لحفظ الأمن وتسيير الحركة العامة. لكن التوازن مطلوب؛ إذ يمكن حماية الأمن وتنظيم الأسواق دون قطع الأرزاق. إننا نأمل من السلطات المحلية أن تلتقط هذه الإشارة الرئاسية الذكية، وأن ترفع يد الضغط الثقيلة عن كاهل هؤلاء الضعفاء المكافحين، وتمنحهم متنفساً يكفيهم شر المسألة وذل الحاجة والانحراف.

​▪️ أخي الأستاذ حسن آدم حسن، أمين الحكم المحلي بالولاية الشمالية، الموقف اليوم يتطلب منك وقفة شجاعة وتوجيهاً صريحاً ومباشراً لكل المديرين التنفيذيين بجميع المحليات. ينبغي أن يصدر أمر واضح يقضي بالرفق الشديد بهؤلاء الكادحين، وإيقاف أي حملات تعسفية تطال أصحاب المهن البسيطة والأكشاك الصغرى التي سترت أسرهم وحفظت كرامتهم، فهم ليسوا مجرمين ولا متعدين، بل هم عصب الصمود الشعبي في هذه الأزمة.

​▪️ أخي الدكتور مكاوي، المدير التنفيذي لمحلية دنقلا، لا يوجد عاقل يرفض الترتيب أو يعترض على إظهار المدينة بمظهر حضاري يليق بها، لكن العدالة والمروءة تفرضان وضع البدائل الممكنة أولاً. فإزالة كشك أو مصادرة طبلية رزق قبل توفير موقع بديل للبيع، تعني الموت البطيء لأسرة كاملة تعتمد على هذا الدخل اليومي. جهزوا المساحات البديلة والأسواق الشعبية المُنظمة، ثم طالبوا الناس بالانتقال إليها بكل رفق واحترام.

​▪️ ضعوا جميعاً نصب أعينكم الهدي النبوي الخالد حين قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: “ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”، وتذكروا قوله الشريف الذي هز الأركان: “وإنما تنصرون وتُرزقون بضعافكم”. كونوا لهذا الشعب المنهك سنداً يرمم جراحه، ولا تكونوا عليه خصماً يزيده همّاً فوق همومه. فالدنيا فانية والمناصب لا تدوم لأحد، والعهد موعدنا أمام رب العالمين، يوم لا ينفع مال ولا سلطة، وعند الله وحده تجتمع الخصوم.

​▪️ دعوا روح القانون وتراحمه تسري بين الناس بدلاً من جفاف النصوص واللوائح الصماء، واستحضروا الحكمة النبوية العميقة: “ما كان اللين في شيء إلا زانه، وما كان العنف في شيء إلا شانه”. فاستخدام القوة والمصادرة لا يبني بلداً ولا يصلح مجتمعاً، بينما الرفق ومراعاة أحوال البشر يزرعان المحبة والطمأنينة في النفوس، ويجعلان المواطن يشعر أن دولته تعينه على نوائب الدهر ولا تحاربه في رزق يومه.

​▪️ عموما يظل الوقوف مع الفقراء والبسطاء في هذه الأوقات العصيبة ليس مجرد عمل إداري روتيني، بل هو أمانة أخلاقية ودينية وواجب وطني بامتياز. فصيانة كرامة هذا المواطن الكادح وحماية قوته هي المحك الحقيقي لنجاح المسؤول. فلنحافظ جميعاً على تماسك مجتمعنا بفتح أبواب التيسير لا التضييق، ولنترك جذوة الأمل متقدة في عيون الصابرين الذين ينتظرون غداً أفضل، حين تنطوي هذه الصفحة القاسية من تاريخ وطننا العظيم.