عزلة قسرية..!!
■ بعد سقوط المدن الكبيرة خيّم على قرى الجزيرة حال من الخوف والوجوم، وتبدل أمان البيوت وطمأنينتها المعهودة إلى رعب وقلق يسري في العروق بعدما غاب القانون تماماً وحلت مكانه شريعة الغاب. كانت “الشفشفة” هي الكلمة الأكثر ترداداً في المجالس مع انفلات الأمن، ليتصدر المشهد فجأة الحثالة واللصوص وسط ذهول الأهالي الذين لزموا بيوتهم يرقبون هذا الوضع المقلوب بقلوب رجافة ونفوس يعتصرها الألم على ديار كانت مأوى للجميع، فصارت فجأة مسرحاً لإذلال الناس واستعراض السلاح، وباتت بيوتها ونساؤها “تتمنى” الأمان العزيز فلا تجده.
■ لم يقف التخريب عند ترويع الآمنين، بل وصلت أعمال النهب والسلب ذروتها في تلك الشهور الصعبة، فلم يترك أوباش الجنجويد سيارة، صغيرة أو كبيرة، إلا وساقوها تحت تهديد السلاح، حتى خلت الطرقات من الحركة تماماً. ولم تسلم من أيديهم الآثمة حتى تراكتورات المزارعين التي هي عصب الإنتاج والحياة هناك، إذ امتدت إليها أيدي النهب بالتعاون مع فئة باعت ضميرها وصارت “تفتش” في حطام البيوت ومخازن الغلال لتسلب المزارع البسيط كد سنواته، مما ترك حسرة غائرة في نفوس الرجال وهم يرون شقاء عمرهم يتبدد أمام أعينهم في لحظات غدر لا ترحم.
■ في السادس من فبراير 2024، وقعت على المنطقة مصيبة جديدة زادت الطين بلة وبلغت بالضيق مداه، حين استيقظ الناس ليجدوا أن شبكات الاتصالات الثلاث قد قُطعت تماماً، فتحولت القرى بين ليلة وضحاها إلى مناطق معزولة عن العالم، وانكمش مدى المعلومة ليصبح لا يتجاوز الكيلومتر الواحد، وبات الحصول على خبر يقين ضرباً من المستحيل، وصار المرء “يجهجه” في مشيته بين الأزقة يبحث عن قشة أمل أو كلمة صدق تطمئنه على أهله في القرى المجاورة وسط هذا الانقطاع المطبق.
■ أصبحت البيوت في ظل هذا الحصار المعلومي أرضاً خصبة للشائعات والأكاذيب التي نهشت في تماسك المجتمع المتعب، وفي وسط هذه العتمة غابت الحقائق وعاش الناس في دوامة من التخمينات المربكة التي تصنعها المخاوف. وحتى أجهزة الراديو الصغيرة التي كنا نعتمد عليها لمعرفة أخبار تقدم الجيش انقطعت فجأة بعد أن توقفت الهواتف عن استقبال الترددات، فصم الصمت الآذان إلا من صدى الرصاص، وغرق الجميع في الأسئلة الحائرة وهم “يتصنتون” علّ الريح تحمل خبراً يبل الشوق ويطمئن النفوس.
■ غاب الإعلام الرسمي للمرة الثانية عن الحضور الفاعل في الميدان، وتُرِكت الساحة لغرف المليشيا المتمردة التي نشطت في بث الإحباط لكسر الروح المعنوية، وتحول همس أذناب التمرد الذين يشككون في قدرة القوات المسلحة على تحرير الأرض من مجرد كلام خافت إلى حديث علني في مجالس القرى ونواديها. ورغم هذا الشحن الممنهج لم يزد ذلك مناصري الجيش الكثر إلا صلابة وتمسكاً بالقوات المسلحة، فكانوا “يقرطون” على أسنانهم صبراً ويقناً بأن ليل البغي قصير مهما تطاول ومهما تآمر الخونة.
■ يمر بخاطري الموقف الشجاع للمواطن دفع الله إبراهيم الدسوقي بقرية طيبة، حين كان يجالسنا فوق برش الصلاة أمام البقالة، وكان الوجل يخيم على الوجوه وتتلفت العيون خوفاً من مباغتة “تاتشر” طائش للمليشيا قد ينهي حياة الجميع لمجرد شبهة. ووسط هذا الرعب، دار حديث ثقيل عن بطء تحركات الجيش، وحينها حاول أحد الحاضرين التقليل من شأنه ونطق بعبارة المخذلين: “وينو الجيش.. نحن ما عندنا جيش”، فانبرى له دفع الله الذي اشتهر بلقب “النم” وصاح فيه بزجر حاسم تخطى حدود حذرنا: “شوف يا فلان.. كلام الدعامة دا ما بغير قناعتنا، والله نحن مع الجيش لآخر عمرنا ولو فضل منو بس رباط بوت حنتمسك بيه”، فما كان من ذلك المخذل إلا أن سكت وصار “يدقس” برأسه خجلاً ولم أره بعدها يفتح فمه في شأن عسكري أبداً.
■ مرت الأيام القاسية وشهدت قرية طيبة تدفق عشرات الأسر النازحة من ضاحية فداسي الواقعة شمال شرق قرية طيبة الشيخ عبد الباقي، بعد أن استباح أوباش المليشيا ديارهم بقيادة المتمرد المنسي النقيب سفيان بريمة الذي لا يُعلم له أثر اليوم. ولما كانت روابط الدم والمصاهرة والوشائج الاجتماعية ممتدة وعميقة بين المنطقتين, أصبحت طيبة هي الخيار الأول لهؤلاء الناس، إما طلباً للإيواء والمشاطرة في اللقمة، أو اتخاذها معبراً نحو مناطق الأمان التي تقع تحت سيطرة الجيش، حيث جعل التنكيل الجنجويدي حياة الناس “تتشلهت” بين الدروب بحثاً عن ملجأ.
■ لم تمر خمسة عشر يوماً على قطع الاتصالات حتى زادت جراح مواطني الجزيرة بانهيار خطوط الكهرباء، نتيجة للعمليات العسكرية من جهة، وبفعل الشفشة ومعاوني المليشيا الذين سارعوا لسرقة زيوت المحولات ونهب الكيبلات النحاسية لبيعها من جهة أخرى، فغرقت القرى في ظلام دامس وباتت شربة الماء الباردة حلماً بعيد المنال، وعاش الناس هناك أسوأ أيام حياتهم على الإطلاق، وصار المرء يتقلب في فراشه ليلاً وهو “يتلوى” من شدة الضيق والحر، متذكراً أياماً خلت كانت فيها الديار تفيض خيراً ونعمة.
■ رجعت الحياة في تلك الفترة وكأنها ارتدت سنين طويلة إلى الوراء، حيث تسيدت الدواب مشهد النقل وغابت السيارات، وأعاد انقطاع الكهرباء الناس إلى وسائل بدائية، فاضطروا للتنقل نحو القرى الميسورة التي بها طواحين غلال تعمل بالمولدات. وغدت مهمة نقل الحبوب مهنة شاقة امتهنها كثير من شبابنا من خريجي الجامعات والمعلمين الذين كسر الظلم نفوسهم، فوجدوا أنفسهم مجبرين على قيادة “كارو” الحمار تحت أعين المسلحين لتأمين ملوة عيش لعوائلهم، وأصبح الكارو هو الرقم الصعب وشريان حياة لا بديل له، وبات الشاب “يكابس” من الصباح الباكر ليجد دوراً في طاحونة قديمة تسد رمق الصغار.
■ سيظل صيام شهر رمضان لعام 2024 عالقاً في الذاكرة بمرارته، فقد نسف الخوف كرم إنسان الجزيرة المعروف الذي كان يمد البروش في الشوارع ويقطع الطريق على العابرين ليفطروا؛ فانكمشت العادات وبات الإفطار في الطرقات محدودا.. خوفاً من الأوباش. وأقبل الشهر في أجواء خانقة، فلا كهرباء تخفف الهجير ولا اتصالات تطمئن القلوب، ومياه الشرب أضحت شحيحة، والمواد الغذائية غالية، فكان السعيد من توفرت له جرعة ماء في “زير” فخاري يلوذ ببعض البرودة ليصنع منها عصير الإفطار، بينما كان غيره “يتجرع” الصبر مع كل مغرب يمر بلا طمأنينة.
■ وكان أشد ما يورث الغصة في نفوسنا بقرية طيبة خلال ذلك الشهر، هو غياب الأذان من مئذنة المسجد الأوحد وصمت ذلك الصوت الوقور الذي كان يبعث السكينة في القلوب قبل الحرب؛ حيث انقطعت الكهرباء وتوقفت المكبرات. واهتدى بعض أوباش الجنجويد، في سلوك ينم عن الفظاظة والتمسخر، إلى تنبيه الصائمين بموعد الإفطار عن طريق إطلاق طلقة واحدة من سلاح الدوشكا الثقيل، وكانوا يكررون هذا الصنيع المرعب عند السحور، فكان صوت الرصاص يمزق السكون ولا يذكرنا بالموعد الروحاني بقدر ما كان “يخلع” قلوب الأطفال ويرينا وحشية هؤلاء الأوغاد.
■ لم يتوقف هذا الحال بانتهاء رمضان بل تمدد بقسوته إلى ما بعد العيدين، وصار كل من أقعدته الظروف وقلة الحيلة وبقي في منزله بالجزيرة إبان فترة الاحتلال، قابعاً في سجن كبير تضيق جدرانه يوماً بعد يوم؛ فالقرية تحولت إلى معتقل واسع والمنزل الخاص صار زنزانة ضيقة، ولا يجرؤ أحد على المشي حتى نحو حواشته التي غرس فيها عرق جبينه، إذ إن مغادرة عتبة الدار كانت تعني المغامرة بالمال والدم، وأصبح المرء “ينط” من أي صوت غريب يطرق بابه خوفاً من زوار الليل غلاظ القلوب.
■ انحصرت هموم الناس في تلك الأيام حول البقاء على قيد الحياة والنجاة بالأعراض، وتبدلت ملامح الوجوه السمراء التي لفحتها الشمس لتكتسي بالهم والترقب الدائم، وصارت الليالي تمر ثقيلة الخطى وكأنها لا تنتهي، وتوقف الحلم بالغد وحل محله الدعاء الخالص في جوف الليل بأن يرفع الله هذا البلاء ويعيد للأرض أمنها، بينما كان الكبار “يقرقرون” بحسراتهم في صدورهم وهم يرون جنى عمرهم يتبدد في فوضى السلاح وعربدة الأوباش الذين عاثوا في الأرض فساداً.
■ وسادت حالة من التكافل الفطري بين البيوت رغم شح الإمكانيات وضيق اليد، فكان الجار يقاسم جاره الكسرة والماء ويسأل عنه في عتمة الليل، وصارت المحنة مصفاة حقيقية لطبائع البشر، فظهر معدن ابن البلد الأصيل الذي يفتح داره للملهوف ويسند الضعيف، وفي المقابل انكشف أمر الذين باعوا أهلهم وقراهم للمليشيا وصاروا أدوات هدم وتجسس، فكان الناس ينظرون إليهم بعيون ملؤها الازدراء والوعيد بيوم حساب قريب، حيث لا ينفع الندم من “يبصق” في البئر التي شرب منها طويلاً.
■ تجتمع في هذه المشاهد تفاصيل المحنة التي عاشها أهل الجزيرة، حيث انقطع الوصل وغابت الكهرباء وتجبرت البنادق التي حاولت كسر كبرياء الناس وعزتهم. لكن تلك الأيام الصعبة بما فيها من سلب وتخريب وعزلة كشفت عن معادن الرجال وصبرهم في وجه الظلم؛ فبين دوشكا تمزق هدوء الصائمين و”كارو” حمار أصبح عصب الحياة، تظهر حقيقة واحدة وهي أن التمسك بالأرض أجدى وأقوى من سلاح البغاة، وأن هذه التفاصيل اليومية هي التاريخ الحقيقي الذي يكتبه الصابرون وهم “يطوون” وجعهم في انتظار يوم الفرج وتطهير الأرض.
ونواصل