رمضان محجوب… يكتب: ​انواء الروح… شهادة قلم عاصر الإنكسار الحلقة الرابعة والثلاثون

​كركوج وباشكار!!

​▪️ أمطار خريف ذاك العام، وهو عام 2024م، التي انصبت على جراح المقهورين في قرى غرب الجزيرة لم تغسل قسوة أوجاعهم… إلا أن حمرة العين وجسارة رجال تلك القرى هي التي جعلت من ذاك الطين الطاهر متاريس كبرياء… كان قلمي بين أولئك الرجال حاضراً لتوثيق اللحظات التاريخية، بينما بقي جسدي ملتصقاً بتلك الأرض منافحاً معهم وعنهم، في جوار أرض أعطت ولم تستبقِ شيئاً.

​▪️ قادت الأقدار كركوج العريقة وخيرها الوفير لتجد نفسها فجأة على خط النار، وهي التي تبعد عن حاضرة الولاية ود مدني بنحو 11 كيلومتراً شمالاً؛ إذ لم تكن مجرد قرية وادعة ينام أهلها على هسيس القنوات والجداول، بل كانت وما زالت حائط الصد الأول والجبهة الأمامية لـ “طيبة الشيخ عبد الباقي”، تربطها بها جغرافية واحدة ورباط أبدي من الأراضي الزراعية المتداخلة التي شهدت انطلاق مشروع الجزيرة ومكتب طيبة منذ العام 1911، حيث تقف السرايا القديمة شاهداً حياً على عراقة هذا السند التاريخي.

​▪️ تلاحم روحي وصوفي عميق أذاب الحدود المرسومة على الخارطة بين كركوج وطيبة، فالسجادة القادرية العركية للشيخ أزرق طيبة هي التي تجمع القلوب، والصلات اليومية والتزاور في المسرات والملمات جعل من القريتين جسداً واحداً إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، ولذلك حينما أطلت خفافيش المليشيا الإرهابية، برزت كركوج كالرمح الذي تلقى الطعنات الأولى صامداً ومتحزماً بالصبر واليقين لحماية قلاع الدين والعلم في المنطقة.

​▪️ وعلى الضفة الأخرى، ترقد قرية “باشكار” شامخة كأشجار السيال، على بعد كيلومترين اثنين فقط في الاتجاه الشمالي الشرقي من طيبة، يفصلها عنها شريط ترابي قصير لكنه ممتد في أعماق التاريخ بروابط الدم والمصاهرة، والنسيج الاجتماعي المترابط لعائلات عريقة، جعل من باشكار وطيبة امتداداً سكنيّاً وأهليّاً واحداً، يتشارك أهله اللقمة والهم والفرحة بذات الطهر والأنفة الريفية التي لم تلوثها عاديات الزمن.

​▪️ اشتهرت قرية باشكار عبر تاريخها بطابعها المتدين وشغف إنسانها بالعلم والتعليم، ورجالها الذين خبروا الأرض وزرعوا الحواشات بـ (الكندكة) والكدح، فعرفوا بالجود والكرم المعهود، ولم تكن هذه الصفات مجرد زينة للمجالس، بل غدت درعاً وطنياً صلباً وعقيدة قتالية معنوية عندما حانت لحظة الاختيار بين الذل أو الصمود أمام آلة الحرب والخراب الإرهابية، فاستعصت القرية على التطويع ورفضت الانكسار لجنود الغفلة والمأجورين.

​▪️ تفشى بلاء المليشيا في ربوع الجزيرة أواخر عام 2023، في أعقاب سقوط مدني في الثامن عشر من ديسمبر، وبدأت المؤامرة الدنيئة لتهجير السكان وتبديل ملامح المنطقة بقوة السلاح، تلك الديار التي طالما كانت سلة لغذاء السودان، تفيض بذهب القطن الأبيض ومحاصيل الخير من قنوات ري مكتب طيبة المعطاء؛ أحالها الغدر إلى ساحة مواجهة مفتوحة، يتنادى فيها شرفاء الأرض لحمايتها بأرواحهم.

​▪️ انبرى أعيان المنطقة لقيادة هذا الحراك الشعبي، وغدا قصر الشيخ الريح بطيبة غرفة عمليات شعبية مباركة، يتقاطر صوبها أعيان كركوج وباشكار، بشيبهم وشبابهم، يتقدمهم قادة المجتمع المحلي ورجال الإدارة الأهلية والمزارعون الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الأرض، يقطعون الفيافي (دفر) ومشيًا على الأقدام، لعقد اجتماعات التنسيق الجماهيري، والتخطيط لكيفية حماية الأعراض وتأمين القرى من غارات الأوباش الذين استباحوا الحرمات وعاثوا في الأرض فساداً.

​▪️ دارت الأيام بكركوج وضاق عليها الحصار الخانق والانتهاكات المستمرة من نهب للسيارات والآليات الزراعية ومحاصيل الصوامع التي هي قوت العام ومخزون الأسر، ومارس أوغاد المليشيا كل أنواع الإذلال والبطش، مما اضطر عشرات الأسر للخروج يومياً مكرهين هرباً من المهانة، حتى كادت القرية تخلو تماماً من سكانها، لكن أولئك الذين آثروا البقاء والتصدي سطروا ملحمة في رفض الامتثال لإملاءات البندقية الغادرة.

​▪️ صمد من بقى في كركوج بصدور عارية تحت وطأة قطع الاتصالات والإنترنت، وشح الغذاء والدواء، واضعين وجودهم في منازلهم خطاً دفاعياً أول عن طيبة والقرى المجاورة، وتحدوا آلة المليشيا التي حاولت إذلال إنسان الجزيرة كاسرين حاجز الخوف، ومثبتين لقادة المليشيا تفوق الحق، فلأن الأرض ارتوت بعرق الآباء والأجداد، يستحيل أن يطأها الخونة دون دفع ثمن باهظ من الكرامة والأنفة والأرواح الرخيصة في سبيل الحق.

​▪️ نالت باشكار نصيبها من حقد المليشيا الأسود، إذ هاجم الأوباش القرية مراراً لكسر كبريائها، وفي غارة غادرة فرضوا عليها حصاراً خانقاً ومنعوا المواطنين من المغادرة بعدما عاثوا فيها نهباً وتخريباً للمرافق، واختطفوا 25 من خيرة شباب ورجال القرية في محاولة رخيصة لكسر شوكة الأهالي النجباء؛ غير أن هذا الاختطاف الغادر، ورغم مرارة أسر هؤلاء الأماجد وغيابهم خلف قضبان البغي، لم يزد القرية إلا اشتعالاً وصموداً، وفجّر وسط أهلهم موجة غضب عارم غدت وقوداً للتحدي والمواجهة.

​▪️ عرّت المواقف الحية في باشكار دعاوى الخوف وفضحت زيف القوة المدججة بالكلاشات، فالقرية التي قدمت الجرحى والدماء في هجمات سابقة، واجهت رصاص المغتصبين بصلابة وعناد ريفي أصيل، ولم يثنِ الحصار الجائر والترهيب أهالي القرية عن مواقفهم، بل كانوا يتناوبون على حراسة المنازل والأزقة بأدوات بسيطة وعزيمة تهز الجبال، متمسكين بـ (الحوش) والديار حتى آخر رمق، رافضين الخروج من أرض السلف.

​▪️ وثبتت مواقف المواطن الباسل عادل جبر الله وأبنائه في قلب هذه المحنة قصةً تسير بها الركبان في القرى المجاورة، جراء تعرض أسرتهم لضرب مبرح وتنكيل وحشي من قِبل الأوغاد الذين سعوا لنهب أبقارهم التي يقتاتون منها ويعتمدون عليها في معاشهم اليومي، لكن عادل وقف كالطود في وجه الرصاص والتهديد، رافضاً تسليم رزق أبنائه لذئاب البشر والمليشيات الباغية.

​▪️ ضربت أسرة عادل جبر الله درساً في الكفاح والثبات سارت بذكره الركبان، حيث واجهوا إرهاب المليشيا المدججين بالسلاح بصدور عارية وأيادٍ حافية إلا من الحق، متقبلين الجراح والألم في سبيل ألا يطأ غريب ساحتهم مستبداً، لتبقى قصة الأبقار المنهوبة والجراح النازفة رمزاً لعزة إنسان باشكار لأنه لا يقبل الضيم ولا يبيع العِرض مهما بلغت التضحيات والتنكيل من مجرمي الحرب.

​▪️ عمّ الخناق والمسغبة ومحاولات الإذلال الممنهجة، فلم يزد ذلك أهالي كركوج وباشكار إلا تماسكاً وتلاحماً خلف متاريس الحق، فاقتسم الناس اللقمة وجرعة الماء الواحدة، وصارت البيوت المفتوحة ملاذاً آمناً لمن تقطعت بهم السبل، وتجلى الكرم الحقيقي في أحلك الظروف وأصعب الليالي، لتغدو المحنة القاسية مشهداً حياً لتأكيد قيم الشهامة والنجدة (والفزعة) التي تميز إنسان الجزيرة وتجري في عروقه مجرى الدم.

​▪️ تجاوزت الحكاية حدود معركة تدوين وبنادق فحسب، لتصبح معركة وجود وحفاظ على الهوية والتاريخ الروحي والاجتماعي الممتد لقرون، فالتكاتف الأهلي الذي قاده أعيان القرى من داخل قصر الشيخ الريح، أثبت تفوق الروابط الصوفية والاجتماعية والدم على دوي المدافع وزخات الرصاص، وجعل إرادة البقاء في الأرض أقوى من كل محاولات التهجير القسري الغاشم.

​▪️ شموخ هؤلاء الرجال الضارب بجذوره في طين كركوج وباشكار وكل جغرافيا غرب الجزيرة، لم يعد في حاجة إلى صكوك إنصاف أو ثناء عابر. بل هو صك ملكية أبدي سطرته الأفعال قبل الأقلام، ليبقى التاريخ شاهداً بأن أرضاً تروى بالدم وتُحمى بحمرة العين، يستحيل أن تستكين لعاديات البغاة. سيلفظ ترابها الطاهر جيف الخونة والمأجورين كما يلفظ البحر زبده، لتقف متاريس الكبرياء دليلاً حياً على أن الأرض لأصحابها الشرفاء، الصامدين بقوة اليقين