رمضان محجوب.. يكتب: شهادة قلم عاصر الانكسار.. الحلقة الثالثة والثلاثون

الجوار المستباح

​■ لم تكن المساحة الفاصلة بين قرية “مساعد” وجارتها “طيبة الشيخ عبد الباقي” في غرب الجزيرة مجرد ثلاثة كيلومترات من الأرض، بل كانت عرقاً ممتداً يغذي جسداً واحداً في تلاحم جغرافي واقتصادي فريد. هذا القرب اللصيق جعل من المنطقتين مركزاً حيوياً واحداً، تداخلت فيه الحقول والمصالح اليومية، لينصهر إنسان المنطقتين في تفاصيل عيش مشترك وصلات قربى حميمة لا تعرف الحدود المصطنعة؛ حيث كانت الحقول تتنفس بذات الرئة، والأسواق تتبادل السلع والأنفاس في دورة حياة يومية متماسكة، وظل إنسان هذه الأرض يزرع ويحصد مع جاره في وئام تام.

​■ تداخل حياتي، رافقه وشاح روحي وصوفي متين يلتف حول عنق التاريخ في القريتين، يمتد لعقود طويلة ضربت جذورها في أعماق الأرض تحت مظلة السجادة العركية العامرة بطيبة الشيخ عبد الباقي. هذا البعد الديني والوجداني تعزز بصلات رحم واشتباك مصاهرات ممتدة ومستمرة عبر الأجيال المتعاقبة، مما أذَاب الفوارق تماماً وصهر المجتمعين في نسيج أسري واجتماعي واحد، يتقاسم فيه الأهل لقمة العيش ودمعة الحزن وبسمة الفرح ومواقف الفزع، ويلتقون في المؤسسات الخدمية ككتلة بشرية لا تقبل القسمة، تجمعهم السراء وتوحدهم الضراء.

​■ لكن هذا السلام الوادع الممتد لقرون تعرض لهزة عنيفة غيّرت ملامح الحياة والسكينة؛ فعقب سقوط مدينة ود مدني الحزين في منتصف ديسمبر من عام 2023، انفتحت أبواب الجحيم وتمددت قوات الدعم السريع نحو محليات وقرى غرب وجنوب الجزيرة. ووجدت قرية مساعد وطيبة الشيخ عبد الباقي نفسيهما في خط المواجهة المباشر مع هذا التوغل الذي استهدف عمق القرى الآمنة وعزلها تماماً، واقتلعها عنوة من محيطها الإداري والخدمي في محاولة لكسر إرادتها.

​■ فُتحت أولى فصول هذه المحنة القاسية والابتلاء العظيم حينما اجتاحت تلك القوات قرية مساعد للمرة الأولى في الفترة ما بين العشرين والخامس والعشرين من ديسمبر من ذات العام. وركز ذلك الهجوم في مقصده الأساسي على كسر الروح المعنوية للأهالي عبر مصادرة السيارات الخاصة، وسرقة المركبات العامة، وحتى الجرارات الزراعية التي كانت تجلب الخير وتفلح الأرض، علاوة على نهب المحال التجارية والمخازن التموينية بالكامل لترك الناس بلا مأوى ولا ملاذٍ يَقيهم غوائل الجوع.

​■ لم تتوقف فصول هذه المعاناة الإنسانية عند حد النهب الأولي، بل تحولت القرية ومحيطها بأكمله إلى مسرح مكشوف لانتهاكات أشد قسوة وأوسع مدى خلال الربع الأول من عام 2024، وتحديداً في شهري يناير وفبراير. إذ اتخذت المأساة طابع الحصار الخانق المستمر والاقتحامات شبه اليومية التي نفذتها مجموعات مسلحة، كانت تستغل الدراجات النارية والعربات القتالية “التاتشرات” لبث الرعب والترهيب في نفوس العُزَّل والنساء والأطفال.

​■ برز وسط هذا الظلام الدامس وجحيم المليشيا، الشاب محمد عبد الباقي “أدروب” -حفظه الله- الذي كان رمزاً حياً للفداء والتضحية والبسالة في قرية مساعد. تجسدت شجاعة “أدروب” وإقدامه وحكمته البالغة في نجاحه الباهر في إخراج جميع أفراد عائلته بسلام من ذاك الأتون المحترق الذي أشعله اوباش المليشيا في القرية، واضعاً روحه على كفه ليمهد لهم طريق النجاة عبر الأزقة والحقول، محققاً ببطولته الفردية انتصاراً لكرامة الإنسان في مواجهة عمليات النهب والسلب المنظمة لكل البيوت بلا استثناء.

​■ قبيل قدوم شهر رمضان المبارك من عام 2024، وفي غمرة الشوق للنفحات الإيمانية رغم الجراح، تجمع عدد من ماجدات ونسوة قرية مساعد لصناعة “الحلومر”؛ ذلك الطقس السوداني الحميم الذي يفوح برائحة الألفة. وصادف ذلك التجمع البسيط غارة من غارات أفراد المليشيا على القرية، حيث اقتحم المسلحون مكان التجمع النسائي بأحذيتهم الثقيلة وسألوهن بنبرة حادة تعكس سوء نواياهم عن سر هذا التجمع الذي يجمعهن في هذا الوقت العصيب.

​■ أجابت النسوة بقلوب مؤمنة وكسيرة بأنهن يقمن بإعداد الحلومر استقبالاً للشهر الفضيل، فما كان من أفراد المليشيا إلا أن دلقوا “عجين” الحلومر على الأرض وخلطوه بالتراب، وأمروا النسوة بالتفرق فوراً تحت تهديد السلاح. وقالوا لهن بصلف وغرور يعكس انبتاتهم عن قيم الأمة: “منو القال ليكم السنة دي في رمضان ولا في صيام؟!”، في محاولة بائسة لمصادرة حتى أشواق المسلمين لإقامة شعائر دينهم، وتخريب تفاصيل إعدادهم للشهر الفضيل وحرمانهم من طقوسهم الحبيبة.

​■ لم تمضِ سوى أيام قليلة حتى تكرر المشهد البغيض الذي يوضح مدى التردي الأخلاقي لهؤلاء الغزاة، حينما سمع أفراد المليشيا صوت نحيب وبكاء بعض النساء ينبعث من أحد بيوت قرية مساعد العريقة. فتوجهوا على الفور صوب المنزل ودلفوا إلى مكان العزاء يسألون بفظاظة عن سر هذا البكاء والتجمع، فأخبرتهم الحاضرات من النساء الواجمات بأن إحدى ماجدات القرية وبناتها الوفيات قد توفاها الله في غربتها بدول الخليج، والآن يقام لها سرادق العزاء الشرعي لتعزية أهلها.

​■ استشاط أولئك المسلحون غضباً وبدأوا يضربون النساء بأعقاب البنادق والسياط، ويأمرونهن بمغادرة المكان فوراً بلا مراعاة لحرمة الموت أو جلال الحزن البشري. وقالوا لهن بجهل مركّب: “تبكن لشنو؟ نحن يومياً بيموتوا مننا العشرات في الجاهزية مافي زول ببكي عليهم.. انتوا ” فد” واحدة ماتت في الخليج تتلموا كلكن وتبكن عليها؟ يلا انصرفن من هنا تاني ما نلقاكن!”، في تجسيد حي لذهنية مظلمة لا تعرف قيمة للنفس البشرية ولا تحترم كرامة الإنسان وحرمة الموتى.

​■ أسفرت هذه المداهمات المتكررة عن كارثة إنسانية وصحية بالغة التعقيد، بعد أن طال التخريب المتعمد البنية التحتية والقطاع الخدمي الذي بناه الأهالي بعرق الجبين وكفاح السنين الطوال. ونُهبت المراكز الصحية الصغيرة والمرافق الطبية الشحيحة التي كانت تقدم الرعاية لقرية مساعد وجوارها، مما أخرجها تماماً عن الخدمة الطبية، وتزامن هذا الفعل مع قطع متعمد وكامل لشبكات الاتصالات والإنترنت لعزل الضحايا ومنع أي صيحة استغاثة تصل إلى العالم الخارجي.

​■ أطبقت تلك القوات حصاراً اقتصادياً صارماً ومنظماً منع دخول البضائع والسلع الأساسية والأدوية المنقذة للحياة، مما تسبب في ندرة حادة في الأقوات هددت حياة من تبقى من كبار السن والنساء والأطفال والمستضعفين بالموت جوعاً. وأمام هذا التهديد المباشر بالقتل بالسلاح أو بالمرض والمسغبة، وانعدام أدنى مقومات الحياة الكريمة، وجد الأهالي أنفسهم مجبرين على اتخاذ القرار الأصعب والأنكأ على النفس البشرية وهو الخروج والبحث عن الملاذ الآمن والنزوح مشياً على الأقدام لقطع المسافات.

​■ احتضنت “طيبة الشيخ عبد الباقي” هذا السيل البشري الهارب، وتحولت إلى مركز إيواء ضخم للقرى التي حولها بعد أن تهاوت البلدات والفرقان واحداً تلو الآخر؛ وفي رحاب طيبة، جمعتني الأيام بالشيخ الريح حمد النيل، الذي رافقته عن قرب، وتقاسمنا معاً مر تلك الأيام أوجاعاً ونزوحاً. هناك، وسط بيوت طيبة وخلاويها التي غصت بالنازحين، جلسنا نقتسم لقمة العيش المتاحة وهموم الوطن الجريح، وسرد لي الشيخ الريح بمرارة قصصاً مأساوية تقشعر لها الأبدان عن أهالي “مساعد” وفجيعتهم الكبرى في أنفسهم وأموالهم وديارهم التي استباحها اوباش المليشيا بصلف ونذالة، مجسدين بوقفتهم أسمى معاني النفير والتكافل الأخوي.

​■ تجاوزت المشاهد التي نقلها لي الشيخ الريح حمد النيل قدرة الاحتمال البشري؛ إذ تحولت بيوت “مساعد” بعد إخلائها القسري إلى ثكنات عسكرية للمليشيا، وعاث المسلحون في الممتلكات الشخصية تخريباً، ومزقوا حتى الدفاتر المدرسية وشهادات التخرج للأبناء، في نزعة انتقامية واضحة تستهدف محو الذاكرة المعرفية والاجتماعية للقرية. وكان الشيخ يروي والدموع تحتبس في عينيه كيف أن كبار السن الذين أقعدهم المرض ولم يقووا على السير، تُرِكوا خلفهم تحت رحمة البنادق المشرعة، يُواجهون الصلف والتعسف بمفردهم، قبل أن يتمكن الشباب لاحقاً من التسلل ليلاً لإنقاذهم عبر طرق التفافية وعرة.

​■ تمدد شبح الخوف والجوع وملاحقة المليشيا لم يترك للأسر فرصة للاستقرار الطويل، فرغم أن “طيبة” كانت القرية الأكثر أمناً وأماناً في تلك المنطقة بفضل هيبتها الروحية وتماسك أهلها، إلا أنها سرعان ما تحولت من محطة إيواء مؤقتة إلى نقطة انطلاق جديدة لرحلات نزوح أشد مرارة. وبدأت عشرات الأسر النازحة التي ضاقت بها سبل العيش في حزم أمتعتها الخفيفة ومغادرة “طيبة” مرغمة، لتبدأ فصلاً جديداً من فصول التشتت والرحيل المر والنزوح الجماعي صوب ولاية القضارف شرقاً، عابرين مسافات شاسعة من التعب والترقّب، لتتفرّق بهم السبل بعد ذلك في بقية الولايات الآمنة.

​■ لم تكن الرحلة نحو القضارف نزهة، بل كانت قطعة من “سقر” ؛ حيث نصبت المليشيا نقاط تفتيش عشوائية على طول الطرق الترابية الفرعية، تمارس فيها شتى أنواع الابتزاز المالي والنفسي ضد الفارين. كان الآباء يخبئون ما تبقى من حلي نسائهم ومدخراتهم الشحيحة في أجساد الأطفال وباطن الأحذية، خشية المصادرة والنهب عند تلك الارتكازات الغادرة التي يغيب عنها القانون والضمير البشري، ليرتسم على وجوه الصغار فزع أبدي لن تمحوه السنين، وهم يشاهدون بنادق الغدر تفتش أحلامهم وتستبيح خصوصية أمهاتهم.

​■ دفعت قسوة الظروف وضبابية المشهد ومخاوف المستقبل بعشرات الأسر الأخرى إلى اتخاذ القرار الأشد إيلاماً، وهو الهجرة إلى خارج السودان كلياً، إذ لم تقف حدود هذه الهجرة القسرية داخل حدود الوطن المكلوم والمثخم بالجراح.كثير منهم عبروا الحدود نحو دول الجوار والمنافي البعيدة، يحملون في عيونهم حسرة وطن ضاع، وفي قلوبهم حنيناً دافقاً لأيام كانت فيها قرية مساعد وطيبة الشيخ عبد الباقي تنبضان بالحياة والأمان، وتاريخاً طويلاً من العز جرفته رياح الغدر، في انتظار يوم تعود فيه العافية لجسد الجزيرة الجريح.

​■ تبقى مأساة الجوار المستباح بين مساعد وطيبة الشيخ عبد الباقي شاهدة في سجلات التاريخ على نموذج فريد من التلاحم الإنساني في وجه أقسى موجات الهمجية؛ فرغم آلات الموت، والنهب المنظم، ومحاولات طمس الهوية الروحية والاجتماعية، ظل النسيج المتين الذي صنعه الأجداد عصياً على الانبتات، وظلت دماء الأخوة تنساب في عروق إنسان هذه الأرض، لتؤكد أن الانكسار عارض، وأن فجر الخلاص آتٍ لا محالة لتسترد الجزيرة عافيتها المسلوبة.

​ونواصل..