رمضان محجوب يكتب : “كان غلبك سدّها…” !! 

 

​▪️ تكمن أزمة القرار الحكومي الأخير في معضلة بسيطة؛ إذ وضعت الآلية الوطنية لمكافحة جرائم المعلوماتية والنشر الضار السلطة التنفيذية أمام امتحان حقيقي يفرق بين حل أزمات الناس اليومية والانشغال بمطاردة ما يكتبه الصحفيون. فالتوسع في ملاحقة المنشورات يفتح مواجهة مبكرة مع وسائل الإعلام، وينقل اهتمام الحكومة من تقديم الخدمات والإنجاز إلى التضييق والملاحقة.

​▪️ توجه رئبس الوزراء هذا يعكس توتراً واضحة معالمه بين الحكومة والصحفيين؛ إذ يرى فريق في القرار خطوة ضرورية لضبط التجاوزات على الإنترنت، بينما يراه فريق آخر محاولة للتغطية على ضعف الأداء. ومن هنا يتضح أن المشكلة ليست في منع الجرائم الإلكترونية، بل في تحويل اللجان إلى بديل عن معالجة الغلاء والأزمات الاقتصادية القائمة.

​▪️لا أحد ينكر أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت مليئة بالشائعات وخطابات الكراهية والابتزاز الذي يمارسه بعض «اللايفاتية» والناشطين سعياً خلف الشهرة، ما يجعل ضبط هذه المخالفات مطلباً مهماً للحفاظ على أمن الناس. لكن الخلل يكمن في استسهال معالجة المشكلة بتشكيل اللجان، بدلاً من وضع حلول جذرية وقوانين واضحة.

​▪️ المخاوف تتزايد حين تُستغل هذه الآلية لملاحقة المقالات الناقدة والتحقيقات الصحفية بحجة عبارات واسعة وغير محددة مثل «النشر الضار». وحين تُستخدم فكرة حماية المجتمع لمنع النقد، يتحول القرار إلى أداة لحجب الآراء التي تكشف قصور المسئولين وتطالب بمحاسبتهم.

​▪️و بالقرار الجديد يزداد القلق من ترك قانون الصحافة والنيابة المختصة والاعتماد بدلاً عنهما على قانون جرائم المعلوماتية لملاحقة الصحفيين. فالصحافة المهنية أصلها كشف الأخطاء ومتابعة أداء المسؤولين، بينما يكشف فتح البلاغات عن ضيق صدر الحكومة ورئيسها بالنقد والهروب من مواجهة المشكلات الحقيقية.

​▪️الصحفيون لا يرفضون تنظيم العمل، فالصحافة الجادة تلتزم بقواعد أخلاقية تفرق بين حرية الرأي والجريمة، لكن أصل المشكلة يعود إلى غياب قانون حديث يواكب التطور الرقمي ويحدد المسؤوليات بوضوح بدلاً من الاعتماد على لجان ذات صلاحيات مفتوحة.

​▪️عطفاً على ذلك، فإن إصلاح النشر الرقمي لا يكون بكثرة تشكيل اللجان والأجهزة الرقابية، بل بوجود مجلس شامل للإعلام يحدد الحقوق والواجبات. فالواجب الوطني يتطلب حماية أمن البلاد ودعم الصحافة الحرة، بدلاً من إرهاق الدولة بقرارات لا يستفيد منها المواطن في حياته اليومية.

​▪️عموماً، تظل الحقيقة الواضحة أن أزمات المعيشة وارتفاع الأسعار لن تُحل بالبلاغات ومطاردة الصحفيين، بل بحكومة تعمل وتنجز وتواجه المشكلات بشجاعة؛ فإن عجزت السلطة عن حل أزمات الناس، فالأولى ألا تضيق على القلم الذي يوضح الخلل، تطبيقاً للمثل الشعبي البسيط: «كان غلبك سدّها.. وسّع قُدّها!».