كنده غبوش الإمام… يكتب: ​في ضيافة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان: جبال مكة بالسعودية تعانق جبال النوبة بالسودان

متابعات : سودانية نيوز

​الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، القائل: “العلماء ورثة الأنبياء”. أما بعد؛ فنرحب بداية بالسفير السعودي الجديد في السودان، نسأل الله أن يكون خير خلف لخير سلف.

في عام 2017، وجه والي جنوب كردفان الأسبق، اللواء أمن الدكتور عيسى آدم أبكر، دعوة لرئيس الجمهورية، وشاغلي المناصب الدستورية، وبعض قيادات أبناء الولاية بالخرطوم، لحضور افتتاح فعاليات مشاريع التنمية والسلام والسياحة بمدينة كادقلي. كنت ضمن المدعوين، وحضرت إلى مطار الخرطوم مبكراً لأجد صفين؛ أحدهما مخصص للدستوريين وبعض السفراء المسافرين بالطائرة الرئاسية، والآخر لعامة المدعوين. وقفت في الصف الأول، فوقف خلفي شخص يرتدي زياً خليجياً.

​وفي أثناء ذلك، حضر مسؤول الأمن الرئاسي وسحبني إلى الصف الثاني، معتذراً بلطف بأن الصف الأول مخصص للمسافرين عبر الصالة الرئاسية، فتوجّهت إلى الصالة العامة في انتظار المغادرة بالطائرة العادية.

​وللمرة الثانية، لحق بي ذلك الشخص ذو الزي الخليجي وجلس بالقرب مني في الصالة العامة. وبحكم معرفتي الطويلة بأزيائهم وطقوسها الموسمية، بادرته بالسلام، فسألني بلهجة خليجية: “أنت الشيخ كنده غبوش الإمام؛ عضو هيئة علماء السودان والكاتب الصحفي؟” قلت: نعم. ثم سألته من جهتي: “ومن أنت؟ أظنك سائحاً!”

​فأدهشني بقوله: “أنا سفير خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز في السودان، السفير السعودي علي بن حسن جعفر” (إن لم تخنّي الذاكرة). وأضاف: “هذه فرصة طيبة لأتعرف عليك أكثر، وأرافقك إلى كادقلي لحضور مهرجان السلام والتنمية والسياحة، لأشاهد معالم جبال النوبة على الطبيعة”. وطلب مني ألا أكشف هويته حتى نعود سالمين إلى الخرطوم، فعهدتُ له بذلك.

​غادرنا إلى كادقلي وسط أجواء خريفية ساحرة، حيث تبدو جبال النوبة مكسوة بخضرة تسر الناظرين. وما أن هبطنا في مطار كادقلي وحتى وصولنا إلى الاستاد، حتى أبدى السفير إدهاشه الشديد بروعة قمم جبال النوبة المحيطة بالمدينة، وفعاليات الاستقبال الجماهيرية على جانبي الطريق، وصولاً إلى الحديقة النباتية تحت جبل حي مك كادقلي، التي يحفها خور جبل كلبا، وخرير المياه يمتزج بزخات المطر الخفيفة، بينما تغطي السحب قمم الجبال التي تُعد الأيقونة التاريخية الشامخة منذ الأزل، لتغدو كادقلي شبيهة بجزيرة خضراء وسط الجبال.

​كان السفير مندهشاً لتلك المناظر الخلابة، ولكرم ضيافة أهل كادقلي على أنغام الرقصات الشعبية ذات الألوان الزاهية. وبالرغم من أنه كان صائماً في ذلك اليوم، إلا أنه وكّلني لأتناول نصيبه نيابة عنه. طفنا معاً على المعارض الشعبية، ولا سيما معرض كلية الطب بجامعة الدلنج في كادقلي، حيث سألني عن سبب عدم دمج الكليات في مجمع موحد بالدلنج، واعتذرت له عن الإجابة.

​مكثنا مع السفير في الحديقة النباتية لحظات تاريخية لا تُنسى. وكان أهالي كادقلي وضيوف المهرجان يسألونني عن هويته، فكنت أجيبهم بأنه مجرد سائح من إحدى دول الخليج، بحكم معرفتي السابقة بهم أيام عملي مستشاراً للجنة مسلمي أفريقيا (العون المباشر الكويتي)، محافظاً على سرية هوية السفير.

​غادرنا الحديقة الرائعة بحافلة سياحية متوجهين إلى مطار كادقلي وسط أمطار غزيرة هطلت حول منطقة المطار. قرر قائد الطائرة الإقلاع وسط تلك العاصفة بحجة أن إيجار الطائرة على وشك الانتهاء. حاولنا ثنيه عن ذلك، مبينين أن غالبية الركاب من النساء ومعنا مسؤول من دولة عربية كبرى، وأنه لا داعي لعرض حياتنا للخطر. وعندما بحث قائد الطائرة عن اسم السفير ضمن الركاب ولم يجده، تحدث بحدة وأعلن أنه سيفقل الأبواب، فمن أراد الركوب فأهلاً وسهلاً، ومن لم يرد فليبقَ في كادقلي!

​هنا التفت إليّ السفير وقال: “نتوكل على الله ونصعد”، وعلى بركة الله ركبنا والأمطار ما زالت تنهمر. وبعد أقل من خمس دقائق من الإقلاع، أطفأ الكابتن الأنوار وطلب من الركاب ربط الأحزمة لفقدانه الرؤية بسبب كثافة الأمطار. ضجت صرخات النساء في مؤخرة الطائرة، فقام السفير السعودي الذي كان يجلس بالقرب مني، وقال بصوت عالٍ: “الله أكبر، أنقذنا يا الله!”.

​وفوراً، توقفت الأمطار، وعادت الأنوار، وشاهدنا عبر النافذة أن الطائرة كانت على مسافة أمتار قليلة من الاصطدام بأحد الجبال! بفضل الله ثم بدعوات السفير، عدنا سالمين إلى الخرطوم، شاكرين فضل الله تعالى الذي أنقذنا من كارثة جوية محتمقة بمطار كادقلي الدولي.

​وفي مطار الخرطوم، عانقني السفير وقال لي بلغة أهل السودان: “أبشر، سننقل مشاهد مهرجان السلام بجنوب كردفان إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وإلى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وستسمع كل خير لأهل هذه الولاية الجميلة إن شاء الله”.

​(في الجزء الثاني، سأسرّد مخرجات تلك الزيارة التاريخية).