حكاية شراء استيلا قيتانو روايتها (أرواح ادو) من مالها الخاص وأهدائها للشاعر محمد نجيب

مجدي علي
تحت عنوان “ما أروع استيلا” كتب الشاعر الجميل محمد نجيب محمد علي على صفحته: بالأمس قامت استيلا قيتانو بشراء روايتها (أرواح ادو) من مالها الخاص وأهدائها لي، لم يكن الحال يسمح بأن أفعل ذلك، خاصة وهي تعلم أن العطالة مهنتي التي لا يد لي فيها الآن، ما أثارني وأعجبني أن أرى مؤلفاً يقوم بشراء مؤلفه ويدفع من جيبه قيمته.. المبدع يكتب ويسهر كل الليالي وينجز مشروعه ثم بعد ذلك يدفع قيمة ما أنجزه.. الفكرة أثارتني فى ذاتها، رغبتي في قراءة الرواية كانت تدفعني لأن أقول لها ذلك وهي المبدعة الصديقة، إذ أخبرتني من قبل على هوامش حوار بيننا أنها تكتب في رواية.. أنا أعرف أن لاستيلا تجارب هائلة ورؤيا مختلفة ومميزة، وذلك ما دفعها يوماً لأن تهدي رسالتها في الجامعة إلى استيلا..
كان هذا ما أثار إعجاب صديقي وأستاذي الشاعر المرهف محمد نجيب، إن المبدعة استيلا قد اشترت روايتها لتهديها إليه لأن حاله لا يسمح.. أما ما أثارني أنا وهيج قلمي أني قد رأيت فيما أرى أن أستغل صدق قوله لأفتح سجالاً قديماً في العلاقة بين السلطة والمثقف، علنا نمسك ولو بطرف في لغز متلازمة العلاقة بين الشعراء والفاقة..
محمد نجيب وأرتال من الشعراء والمبدعين الحقيقيين شاء حظهم العاثر أن يعيشوا أبهى سنوات أعمارهم بؤساً وفقراً في ظل حقبة سوداء مضت، حقبة قاسية تعمدت ألا تحترم إبداعهم أو تقيِّم مقدراتهم لأنهم لم يداهنوها ولم يطبلوا لها..
لنكن أكثر دقة..
ما الذي يجعل شاعراً مجيداً مثل محمد نجيب في مثل هذا الحال؟! ما الذي يجعل صحافياً متمكناً وأديباً مثقفاً مثله في غاية الأدب والمعرفة عاطلاً بلا عمل، وغيره من الأرزقية وفاقدي الموهبة وصحافيي البلاط في خانة الأثرياء وأصحاب المؤسسات الصحافية الكبرى.!
حتماً سيختلف حال محمد نجيب وأمثاله من الصادقين لو أنهم داهنوا السلطان ومؤسساته، فمن هم دونه قامة وعطاءاً تبوأوا أرفع المناصب وعاثوا في ميادين الثقافة والإبداع جوراً وفساداً، ومن هم دونه وعياً ومعرفة اعتلوا أعلى المنصات، وأرغمونا أن نسمع نباحاً قالوا إنه إبداع وشعر.. ويا أسفي عليهم فقد حصدوا السراب، لأنهم لم يعوا أن من هم في قامة محمد نجيب تتهافت عليهم المؤسسات وتتنافس عليهم المنابر..
إن من سوءات العقود الثلاثة التي مرت أن وجه الأزمة لم يقف عند حدود مظهرها السياسي والاقتصادي الظاهر الذي نراه فحسب، بل امتدت جذورها عميقاً إلى أزمة عدالة طالت كل شيء، حتى أسباب الكسب والمعيشة والحياة بين الناس، وسير المبدعين في بلادنا تزخر بالمآسي والمظالم التي لا تسعها الكتب والمجلدات.. تلك معادلة الظلم في أقسى صورها، أن تجعل بسلطتك من تختاره شاعراً لامعاً وغيره صعلوكاً منبوذاً، أن تجعل من تختاره ثرياً ومن لا يعجبك ويساندك مشرداً جائعاً.. أن تختار لمن تصطفيهم كل أسباب الرخاء ولغيرهم كل أسباب الشقاء والبؤس، هذا ودع عنك مآلات مثل هذه السلوكيات وأثرها على نهضة الثقافة والإبداع ودورهما في نهضة البلاد، فذلك وجع آخر..
عذراً صديقي محمد نجيب محمد علي إن أقحمتك في شجوني، صدقاً يا رجل أنا أنحاز إليك، بل أنا كما قال ناجي العلي: “منحاز لطبقتي، منحاز للفقراء”، وعندما اخترتك أنت فأني لا أغالب روحي ولا أتملق أحداً بشأنك، ومثلما تعرف أنت لاستيلا تجارب هائلة ورؤيا مختلفة ومميزة فنحن نعرف أن لمحمد نجيب رصيد وعي ومعرفة وتجارب ثرة وقدرات مختلفة ومميزة..
إذاً أنت تستحق من أجلك أن نقول إن جل ما نبتغيه من ثمار الثورة والتغيير أن نراك وأمثالك نجوماً في ذلك المجتمع الذي تسود فيه العدالة الاجتماعية، العدالة التي تكفل لكل مبدع فرص العمل وحق الاكتفاء، مجتمع لا يظلم الإنسان فيه ولا يقهر.. ولا يهان.