د. هيثم حسن عبد السلام _ خبير شؤون المستهلك

ترددت كثيراً عبارة “الغالي متروك” كنصيحة اقتصادية مجردة، ونجحت إلى حد ما في أوقات سابقة، ولكنها أصبحت اليوم حجة قاصرة تُلقي بلائمتها بالكامل على كاهل المواطن المستهلك. يُطلب من الفرد المنهك أصلًا أن يمارس صلاحيات الدولة عبر حرمان نفسه وأسرته من السلع الأساسية تحت مسمى “المقاطعة”، بينما تُترك الأسواق في حالة من الفوضى بحجة “سياسة تحرير الأسعار”. إن الحل الفعلي لغلاء الأسعار لا ينبغي أن يكون بانكفاء المستهلك واستسلامه، بل بفرض شعار جديد ومستحق: “الغالي يرخص ليك”.
إن مفهوم “الغالي يرخص لك” في هكذا ظروف لا يعني تقديم التنازلات، بل يعني استعادة الدولة لدورها الضابط عبر تفعيل أدوات الضغط الحكومي للتحكم بالأسعار وتحديد سقف هامش الربح للسلع الأولية. لقد أثبتت التجربة أن الاعتماد المطلق على آليات السوق الحر دون رقابة صارمة حوّل التحرير الاقتصادي إلى مساحة مفتوحة للجشع والجشع المضاعف.
وفوق هذا وذاك، فإن المسكنات الوقتية القائمة حالياً والمتمثلة في إنشاء “مراكز البيع المخفض” ليست سوى معالجة قاصرة للأعراض الجانبية دون المساس بأصل الداء؛ فهذه المراكز، ورغم قلة عددها ومحدودية انتشارها، تطرح تساؤلاً جوهرياً ومستحقاً: إذا كانت السلعة تُباع فيها بسعر مخفض وتستمر الجهات في تحقيق هامش ربح مقبول، فلماذا تُترك نفس السلعة لتُباع في المحلات والأسواق العامة بأسعار مضاعفة دون حسيب أو رقيب؟ إن الحل لا يكمن في إقامة جزر عزلة مخفضة للجمهور، بل في فرض هذا السعر العادل على كامل امتداد السوق والمنظومة التجارية.
لقد بات من الضروري أن تتخلى الجهات الحكومية عن القرار المتوارث والتمسك الأعمى بسياسة تحرير الأسعار بصورتها الحالية، فالوضع الاقتصادي والقدرة الشرائية للمواطن لم يعدا يحتملان المزيد من التجارب أو الاستمرار في سياسة “ترك السوق يضبط نفسه بنفسه”. التحرير لا يعني الفوضى، وتدخل الدولة عند الأزمات لحماية قوة المواطن الشرائية هو أصل واجباتها وليس خروجًا عن الأعراف الاقتصادية.
إن حماية المستهلك تبدأ من سن تشريعات جادة تُجرم الاحتكار (ولدينا القوانين المجازة) ، وتفرض رقابة ميدانية صارمة على الأسواق والموردين (ولدينا جهات حكومية قوية فنية وشرطية وعدلية ) ، وتضع حدودًا واضحة للأسعار الاستراتيجية.
فحين تُمَارَس أدوات الضغط الحكومي بحزم، تنضبط الأسواق، ويعود التوازن المفقود، وتتغير المعادلة ليكون حق المواطن في عيش كريم أولى وأغلى من أي سياسة اقتصادية جامدة.. وحينها فقط: يرخص كل غالي.