مهد الحروف .. د. هيثم حسن عبد السلام يكتب : رغيف الخبز.. أزمة الفوضى في زمن الحرب والإنقاذ العاجل

 

د. هيثم حسن عبد السلام .. خبير شؤون المستهلك

mismawia@yahoo.com

 

لطالما كان – الرغيف – في السودان أكثر من مجرد سلعة غذائية؛ إنه نبض الشارع، وميزان الاستقرار الاجتماعي، والترمومتر الذي يقيس مدى قدرة المواطن على الصمود. واليوم، ونحن نخوض معركة الكرامة ونعيش استثنائية ظروف الحرب وحالة الطوارئ، نجد أنفسنا أمام امتحان أمني واقتصادي لا يحتمل التهاون أو تقاعس مؤسسات الدولة.

إن المشهد الميداني يزداد تعقيداً مع الارتفاع المتسارع لأسعار العملات الأجنبية مقابل الجنيه، وهو ما انعكس فوراً على القوت اليومي؛ حيث شهدت الأسواق قفزة قياسية جديدة بفرض زيادات إضافية بلغت 8,000 جنيه على جوال دقيق القمح زنة 25 كيلوجراماً، و16,000 جنيه على الجوال زنة 50 كيلوجراماً. هذه القفزة المباشرة وضعت أصحاب المخابز في حالة هيجان تنظيمي، ليطلقوا تحذيرات صريحة إما بالتوقف التام عن الإنتاج أو فرض خيار مجحف ببيع “عيشتين بألف جنيه”، مما يهدد بقطع شريان حياة الأسر المنهكة أصلاً.

وفي الأخبار تجيء زيارات والي الخرطوم الميدانية للمطاحن لمتابعة سير الإمداد في وقت حرج لتعبر عن الاستشعار الرسمي لخطورة الموقف، لكنها تفقد قيمتها المرجوة إن لم تُتبع بإجراءات حازمة تُنهي فوضى الأسعار وتلاعب الأوزان. لقد بات واضحاً أن السياسات المرنة وتطبيق مفاهيم تحرير الأسعار في ظل حالة الحرب والطوارئ هي ضرب من التخلي عن المسؤولية الشاملة، إذ تحولت إلى غطاء يستغله البعض لتنحي المواصفة القياسية جانباً، وتقليص وزن الرغيفة حتى أضحت مجرد هيكل هش يفتقر للحد الأدنى من الجودة.

إن الموقف الحرج يفرض على الدولة اتخاذ قرارات سيادية وتدابير استثنائية عاجلة؛ فلا بديل اليوم عن فرض السيطرة الكاملة والمباشرة على ملف الدقيق، بدءاً من عمليات الاستيراد والمطاحن الوطنية، وصولاً إلى آلية التوزيع . إن تفعيل الرقابة الصارمة والتواجد الميداني الحاسم لجهات الاختصاص — ممثلة في جهاز الأمن الاقتصادي، ومباحث التجارة والتموين وحماية المستهلك — أصبح ضرورة أمن قومي لقطع الطريق أمام المضاربين وتجار الأزمات، والحد من تحكم النفوس الضعيفة بقوت الشعب.

كما ينبغي في الوقت ذاته التوجيه الفوري بإعادة صيانة وتفعيل كافة الأصول والمؤسسات الاستراتيجية الغائبة، وفي مقدمتها مشروع المخابز الآلية والتركية التي أُنشئت قبل سنوات لتباشر إنتاج ملايين من الخبز يومياً لتكون صيدلية أمان غذائي وسنداً متيناً في الأزمات ( مالم تكن قد طالتها يد التخريب من قبل التمرد الاثم) . إن تجميد هذه الإمكانيات في ظرف استثنائي يعد تقصيراً لا يغتفر وتفريطاً في موارد مجتمعية معطلة.

إننا نؤكد من واقع مسؤوليتنا تجاه قضايا المستهلك، أن الرغيف خط أحمر يمس استقرار البلاد وأمنها المباشر. إن الحل لا يكمن في مساومات الإنتاج أو فرض سياسة الأمر الواقع على المواطن، بل في إرادة سياسية وتنفيذية تضع حداً لهذه الفوضى، وتُعيد الهيبة للمواصفات والأوزان الرسمية. تعالوا إلى كلمة سواء تجمع بين أجهزة الدولة الأمنية والتنفيذية وصُنّاع القرار والمستهلك؛ لنعمل معاً فوراً على إخضاع ملف الخبز والدقيق لإدارة الدولة المباشرة حمايةً للوطن وصوناً لكرامة المواطن.