الشهيد محمد الفضل وبعض الفدائيين كانوا يزروننا في الجامعة
كان علينا أن نواجه مصيرنا بعد أمرنا بمغادرة الخرطوم
الجيش فوجئ بحرب المليشيا.. والبرهان قائد شجاع..!!
الحرب أضافت إلى عمري عدة سنوات من الشيخوخة القسرية المريرة
عدم سيطرة قيادة المليشيا المتمردة على شندي أضاع أكبر فرصة لها
خرجنا إلى شندي بوجع كبير واستقبلتنا أسرة عبد الكريم بكل كرم
خلال الشهور الأولى للحرب زرت حامية شندي ووجدتها بائسة
حكمة بروف جعفر ميرغني أنقذت مناطق الآثار في المصورات من حرب وجودية
حاوره :رمضان محجوب
في هذا الحوار الاستثنائي، نفتح نافذةً على رحلةٍ من التيه واليقين، نخوض غمارها مع المفكر والخبير الاستراتيجي البروفيسور حسن مكي. لا يتناول هذا الحوار مجرد سردٍ لأحداث حربٍ غيّرت وجه البلاد، بل يغوص في أعماق “الشتات القسري” الذي اختبر فيه الإنسان السوداني أقصى درجات الوجع والبحث عن الذات. يأخذنا البروفيسور مكي، بذاكرته الوقادة وقلمه الذي لا يلين، في رحلةٍ تمتدُ من جحيم الحرب، مروراً بمحطات الغربة واللجوء، وصولاً إلى لحظة العودة التي تكتنفها رؤى استراتيجية لاستشراف مستقبل وطنٍ أثخنته الجراح. هي قصة وطنٍ في ذاكرة خبير، وشهادةُ رجلٍ عاش الحرب فكراً وشعوراً، وعاد ليقرأ في تضاريس الوطن أملَ النهوض. إلى الحلقة الأولى من الحوار التوثيقي.
▪️ بداية.. كيف كانت بداية رحلتك مع الحرب في تلك الأيام؟
= قضيت 38 يوماً صعبة مع لجنة الطوارئ بجامعة أفريقيا خارج سياق الحياة المألوفة تماماً. بدأت الحكاية بجحيم لا يوصف، حيث خرجت من دائرته إلى فضاء من الخيال القاسي. في تلك الأيام، كانت الجامعة تدار بجهود استثنائية من نائب المدير الأستاذ مرتضى، في ظل ظروف بالغة التعقيد والاضطراب، حيث كانت المهمة الوطنية الأولى هي تأمين إجلاء حوالي 5000 طالب أجنبي، من ماليزيا وإندونيسيا إلى نيجيريا وتشاد وجنوب إفريقيا، وصولاً إلى أكثر من 63 دولة، بالإضافة إلى مئات الطلاب السودانيين الذين تشتتوا في أصقاع الأرض؛ في رحلة كانت أشبه بالمستحيل.
▪️ ما هي التحديات التي واجهتكم في إدارة أزمة إجلاء الطلاب؟
= واجهنا تحديات وجودية لتوفير الرجال وتأمين خروج آلاف الطلاب الأجانب. لم تكن هذه المهمة يسيرة بأي حال، فقد واجهنا عقبات لوجستية وأمنية جسيمة في توفير الكوادر القادرة على التنفيذ وضمان مسارات آمنة في بيئة تموج بالاضطراب. كان همي الأول هو رفع الروح المعنوية للطلاب، لا سيما الطالبات اللواتي واجهن ظروفاً نفسية واجتماعية بالغة القسوة، في ظل بداية شرارة الحرب التي تزامنت مع أحداث أمنية متسارعة، استحكمت فيها قوات الدعم السريع في معظم المواقع الحيوية، مما ضاعف من حجم المسؤولية الملقاة على عاتقنا في تلك الأيام.
▪️ كيف تصف الأجواء العامة في بداية تلك المحنة العصيبة؟
= كانت الأجواء تمطر ناراً مع هجرة الطير والإنسان وسط خوف. كانت السماء تمطر رعباً، حيث كان الطيران الحربي يضرب تارة، بينما تتحرك القوات المسلحة على الأرض تارة أخرى لصد الهجوم. في تلك الأجواء، كان يأتينا بعض الفدائيين الذين يتقاذفون معنا الكلمات والمواقف حتى لا تُكسر عزيمتنا، وأذكر منهم المرحوم محمد الفضل؛ كنت أتعجب حقاً من قدرته على التواجد في تلك الظروف والمخاطر. تلك الأيام الـ 38 كانت بمثابة سنوات من العمر انصرمت في لحظات من الخوف المطبق، حيث هاجر الطير، وهجر الناس ديارهم، وبقي التوجس هو سيد الموقف، والوحيد القادر على وصف تلك المأساة الجماعية.
▪️ صف لنا رحلة الخروج القسرية وكيف كان الاستقبال في شندي؟
= خرجنا بوجع كبير واستقبلتنا أسرة عبد الكريم بكل كرم وتضحية. كان لزاماً علينا أن نواجه مصيرنا معاً. بعد انقضاء 38 يوماً، كان الوجع قد وصل ذوته؛ فقدنا أهلنا وأقاربنا، نهبت منازلنا، وصدرت الأوامر بالمغادرة القسرية. توجهت نحو مدينة شندي في رحلة شاقة عبر طريق خاص ومحفوف بالمخاطر. كان الاستقبال في شندي درساً في الكرم السوداني الأصيل؛ فقد استقبلتنا أسرة عبد الكريم السيد، التي ضربت مثالاً في التضحية، إذ كانوا يستقبلون في شهر رمضان المبارك أكثر من 30 شخصاً يومياً، ويتكفلون بذبائح الإطعام رغم ضيق الحال وقلة الموارد التي عانت منها المنطقة في بداية الحرب.
▪️ كيف تقيم صمود المؤسسة العسكرية في ظل هذه الظروف؟
= حييت صمود الرئيس البرهان ورجال الملحمة رغم التحديات البنيوية الكبيرة. كنت أعرف طبيعة الجيش جيداً، فالمقاتلون كانوا قلة، بينما ضمت صفوفه طواقم الدعم، سواقين، طباخين، كتبة، وأطقم الأجهزة الفنية في التقانة والحصون الحربية. وهنا لا يسعني إلا أن أحيي أولئك الذين صمدوا مع الرئيس البرهان؛ فأنا أحسبه رجلاً ذا شجاعة، ومن معه من رجال الملحمة، فقد كانوا فرساناً حقيقيين رغم التحديات البنيوية التي واجهت المؤسسة العسكرية، والتي كشفت عن تداخلات معقدة في توزيع القوى والمهام، لكن الروح القتالية ظلت هي الحصن الأخير الذي منع انهيار الدولة في اللحظات الحاسمة.
▪️ لماذا لم تكن العودة للخرطوم ممكنة خلال فترة إقامتك بشندي؟
= تعقدت العودة وأدركت أن مظاهر الدولة تلاشت من العاصمة تماماً. قضيت في منزل عبد الكريم حوالي ثلاثة أشهر، وكأننا كنا أسرة واحدة، حيث صاهرناهم وتشاركنا اللقمة والمصير في تلك الأيام القاسية. رغم إلحاحهم عليّ بالبقاء، كنت أدرك أن العودة إلى الخرطوم في ذلك الوقت كانت قد تعقدت تماماً. وعندما خرجت من الخرطوم، لم أجد ولم أرَ مظهراً من مظاهر الدولة أو الحياة السودانية المعتادة إلا في تلك المناطق الآمنة، وهو ما عزز قناعتي بخطورة هذا الشتات المسلح الذي لم يدرك الفرص التي ضاعت منه، وأحدث شرخاً عميقاً في وجدان الأمة السودانية التي كانت توحدها العاصمة.
▪️ هل كانت هناك فرصة فعلية لقوات التمرد للسيطرة على شندي؟
= نعم، كان لديهم غفلة عن الحامية ولو تحركوا لتغير المشهد. كنت أطرح دائماً أن أكبر خطأ ارتكبه هذا الشتات المسلح هو عدم استلامه لمدينة شندي. لو نجحوا في ذلك، لاستطاعوا الوصول إلى كوبري مروي، ولكان كل السودان قد سقط في قبضتهم. كان لديهم غفلة عن الحامية هناك، ولو اتجهوا إلى شندي قبل مروي لتغيرت خارطة الصراع تماماً. كان لديهم فرصة سانحة للسيطرة على مفاتيح البلاد، لكن الله سلّم بفضل حكمة أهل المنطقة وتماسك الحاميات العسكرية التي استشعرت الخطر مبكراً، مما منع وقوع كارثة استراتيجية كانت ستنهي الدولة السودانية كما نعرفها في أيام قليلة.
▪️ ما هي حكمة إبعاد التمرد عن مناطق الآثار والمصورات؟
= تجنبنا حرباً وجودية ضد السكان في مناطق لا يمكن إخراجهم منها. في هذا السياق، تبرز قصة أن الدعم السريع كان يطمع في الاستحكام بمناطق الآثار بجبالها وقراها التاريخية في المصورات وغيرها. ولولا حكمة البروفيسور جعفر ميرغني، الذي تواصل مع رئيس الدولة ووزير الدفاع حينها لتحذيرهم من أن دخول هذا الشتات لهذه المنطقة سيعني حرباً وجودية ضد السكان والأوطان، لكانت كارثة؛ إذ لا توجد قوة يمكنها إخراجهم من تلك التحصينات الجبلية والمناطق الأثرية المحمية تاريخياً، فكان الحفاظ على هذه المواقع وحمايتها من التمرد هو انتصار للذاكرة القومية التي حاول التمرد استغلالها كدروع بشرية وعسكرية في معركته ضد الشعب.
▪️ هل شعرت بتقدم عمرك خلال تلك الأيام القليلة من الحرب؟
= أضافت الحرب سنوات من الشيخوخة القسرية نتيجة انعدام القرار والمعلومات. أدركت حينها أن الحرب قد أضافت إلى عمري سنوات من “الشيخوخة” القسرية، لكن في ظرف هذه الحرب تحديداً، ربما لا تعدو تلك الأيام سوى بضعة أيام إضافية في سجل العمر الحقيقي. كانت الغربة الحقيقية هي انعدام القرار، المعلومات، والاتصال، في ظل غياب شبه تام للخدمات الضرورية كالكهرباء والمياه. كانت أوضاع الجيش صعبة للغاية، وكأنه يدافع عن بقائه النفسي والعسكري، دون أن يكون ضمن أجندته الأولوية مسألة المدنيين، وهو أمر يفسره طبيعة تكوين المؤسسة العسكرية في تلك اللحظة الحرجة التي تطلبت تماسكاً غير مسبوق.
▪️ كيف كانت تفاصيل الرحلة من إثيوبيا وصولاً إلى بلفاست؟
= انتقلت بضغط أسرتي عبر إثيوبيا والعمرة وصولاً إلى بلفاست لاحقاً. بعد تلك المحطات، رضخت لضغط أسرتي وأبنائي الذين يتوزعون بين بريطانيا وتركيا. ذهبت إلى إثيوبيا برفقة ابني الذي عاد من دبلن لمرافقتي أنا وزوجتي. كانت الرحلة مزيجاً من الألم والترقب، ثم أدينا العمرة، قبل أن نتوجه إلى حيث تستقر الأسرة في بلفاست، حيث يعمل ابني وزوج ابنتي في سلك الطب، وهي محطة جديدة في هذا الشتات الطويل الذي فرضته الحرب. لقد كانت رحلة البحث عن الأمان بعد أن ضاقت بنا سبل العيش في الداخل، وكانت الغربة في بلفاست بمثابة استراحة محارب من هول ما رأينا.
▪️ ما هي طبيعة استقبالك في لندن وتكيفك مع الحياة الغربية؟
= استقبلني الدكتور بكري عثمان سعيد وحاولت التأقلم مع الحياة التي أعرفها قديماً. لاحقاً، كانت وجهتي نحو لندن، حيث استقبلنا الدكتور بكري، أستاذ الطب المعروف وزميل الدراسة الجامعية. في لندن، حاولت التأقلم مع الحياة الغربية، وهي حياة أعرفها جيداً منذ عام 1973 حين كنت طلاباً، ثم باحثاً في ليستر، حيث ألفت وكتبت عدة كتب طُبعت هناك، منها كتاب عن السودان، مما جعلني أستعيد ذكريات الماضي البعيد. كانت لندن بالنسبة لي بوابة للذاكرة، حيث استعدت تجاربي الأكاديمية والبحثية السابقة، وقارنت بين سودان الأمس الذي عرفته كطالب، وسودان اليوم الذي تمزقه الحروب والشتات، محاولاً إيجاد مساحة للأمل.
▪️ هل وجدت اختلافاً بين شتاتك كشاب وشيخوخة الغربة الحالية؟
= الحياة الغربية منظمة، لكنني اليوم أعيش مرحلة عمرية وتجربة مختلفة. طبيعة الشتات في الغرب تختلف؛ فهي حياة عادية ومنظمة، لكنني كنت حينها شاباً مفعماً بالحيوية، واليوم أنا في مرحلة عمرية مختلفة. قضيت أياماً في ليستر، واسترجعت ذكريات السجن التي جمعتني برفاق الدرب في سجون دبك وكوبر. لقد كانت محطات قاسية لكنها شكلت جزءاً جوهرياً من تكويننا الفكري والنضالي عبر السنين. الفارق كبير بين غربة الشاب الباحث عن المعرفة وغربة الشيخ الباحث عن بقايا وطن، حيث تداخلت الذكريات مع الحاضر الأليم، مما منحني رؤية أعمق لمعنى الانتماء والحرية التي فقدناها في رحلة الشتات المريرة.
▪️ لماذا استقر بك المقام في مدينة برمنجهام تحديداً؟
= لأنها توفر ملاذاً روحياً بوجود مساجد كثيرة ووجود سوداني كثيف. استقرت الرحلة في نهاية المطاف في مدينة برمنجهام، التي وجدت فيها ملاذاً مناسباً نظراً لكثرة المساجد التي تتجاوز الـ 400 مسجد، والوجود السوداني الكثيف الذي يقدر بحوالي 23000 سوداني. هذا الحضور السوداني في برمنجهام جعل الحياة أقل وطأة، وأتاح لنا فرصة للتواصل المستمر والاطمئنان على أحوال الأهل في الداخل والخارج في هذه الظروف الصعبة التي نعيشها اليوم بعيداً. كانت برمنجهام بؤرة للنشاط السوداني، حيث وجدنا فيها دفء الروح والمكان، وشعرت أنني لست وحيداً في هذا المنفى الاختياري الذي فرضته علينا ظروف الحرب .