ما يميز عقل المخابرات المحترف هو أنه يفكر بطريقة مختلفة تماماً عن الأخرين – بشراً كانوا أو مؤسسات .. فهو ينتبه لما يغفل عنه الجميع و تجده يرصد التفاصيل الدقيقة ثم يعمل عليها في صمت هو أقرب لحالة من التفكير العميق .. يعمل عليها بعيداً عن الأضواء و الصخب .. هذا المنهج ليس وليد اليوم بل هو فكر أصيل مستمد من عمق التاريخ الإسلامي و لعلنا نستصحب هنا مقولة الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه – حين قال : «كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن الخير و كنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه» .. هذا التفكير الإستباقي القائم على رصد المهددات و قراءة ما تحت السطور هو جوهر العمل الاستخباري و الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه وظّف هذه الميزة مستفيداً من قدرات ذات الصحابي حين دفع به إلى وسط صفوف الأعداء في معركة الأحزاب متخفياً و قال له أمرا بليغا : «خذّل عنا يا حذيفة» .
هذا المنهج الأصيل .. منهج التفكير بطريقة مختلفة .. هو ذاته الذي تحرك به جهاز المخابرات العامة في ملف شرقنا الحبيب فخلال سبع سنوات مضت تلت العام 2019م تراكمت فيها الرواسب و الفتن و الخطابات المشحونة بين أكبر مكونين بشرق السودان .. نظارتي (الهدندوة) و (البني عامر) .. و طوال تلك الفترة كان الجهاز يرصد و يحلل و يرفع تقاريره بدقة في وقت أراد فيه البعض حصر دوره في كونه (جهازاً معلوماتياً) فقط و لكن و في المنعطفات الوجودية .. مثل حرب الكرامة .. عاد هذا المحترف ليمارس ريادته الأمنية و المجتمعية التي تحمي البنية الإجتماعية والأهلية للدولة و قد إنطلقت عناصره بخبرة السنين و شطارة و وعي المخابرات لترميم ما أصاب جدار السلم المجتمعي من ثقوب كانت تهدد إستقرار البلاد و تُوج هذا الجهد بإبرام صلح تاريخي كبير و رعايته و الذي إلتقى على إثره القادة الأهليون برئيس مجلس السيادة الإنتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان .
لقد تجلت احترافية الجهاز في الإنتقال الذكي من المقاربات الخشنة إلى المعالجات العميقة لجذور الخلاف عبر إدارة (الغرف المغلقة) موفراً بيئة سرية آمنة منحت القادة الأهليين الشجاعة و الراحة لإخراج رواسب الأعوام السبعة الماضية بعيداً عن صخب الإعلام و مزايدات منصات التواصل و ضغوط الشارع القبلي النتن . و بفضل الفهم التخصصي لضباط المخابرات بالتركيبة المجتمعية ، تمكن الجهاز كطرف ثالث موثوق من تفكيك العُقد المعقدة و صياغة مشتركات وطنية تحفظ كرامة و مكانة الطرفين دون إشعار أحدهما بالانكسار . كما تمثلت أعلى درجات الإحترافية في عزل و تجميد (القنابل الموقوتة) بإقناع النظارتين بالنظر إلى القضايا الكلية الكبرى و إرجاء الخلافات المستعصية و تجميد الملفات الحساسة الفتنوية إلى ما بعد الحرب ، مما فوّت الفرصة على قوى الفتنة قبل أن تشعل الشرق .. هذا إلى جانب دور الجهاز كـ (ضامن سيادي) يملك سلطة إنفاذ القانون و المتابعة الميدانية لمنع التفلتات الفردية و منح هذا الصلح صفة الديمومة و الإستقرار .
تكمن الأهمية الإستراتيجية القصوى لهذا الصلح في تحصين شرق السودان (البحر الأحمر ، كسلا ، القضارف) الذي يمثل حالياً الرئة و الشريان الأساسي لبقاء الدولة و عاصمتها الإدارية المؤقتة (بورتسودان) حيث كان أي إقتتال أو إهتزاز للسلم الأهلي هناك يعني تلقائياً شلل الإمداد و ضرب المركز البديل للدولة في مقتل . و يساهم هذا التوافق مباشرة في توحيد الجبهة الداخلية لـمعركة الكرامة بتفريغ الطاقات المجتمعية و القبلية لإسناد القوات المسلحة بدلاً من إستنزاف المقدرات البشرية و المادية في صراعات داخلية عبثية و يمتد الأثر لتأمين شريان الإقتصاد و حركة التجارة و المساعدات الإنسانية عبر الطرق البرية الحيوية و قطع الطريق تماماً أمام المهددات الخارجية التي تسعى لإستغلال الهشاشة القبلية لفتح جبهة إستنزاف جديدة في الشرق .
خلاصة القول أثبت جهاز المخابرات العامة بعمله الصامت و الدؤوب و الذكي أنه يمتلك عقلاً إستراتيجياً فذاً نقل شرق السودان بنجاح من مربع (المهدد المحتمل) إلى مربع (القاعدة الصلبة و المستقرة) التي تسند بقاء الدولة و تماسكها في أصعب أوقاتها التاريخية .