تأمُلات… كمال الهِدَي يكتب: ومن سيبقى بعد المتسلقين؟!

 

لفتت نظري عبارة وردت على لسان أحد قادة رابطة الهلال بالرياض، في حوار أجرته معه الصحفية النشطة سارة إبراهيم لصحيفة الأسياد.

طلبت سارة من الأستاذ زهير سلطان تقديم رسالة لمجلس إدارة الهلال، فطالب الرجل أعضاء المجلس بإبعاد المتسلقين وأصحاب المصلحة. وما إن وقعت عيناي على هذه العبارة، حتى قلت لنفسي: ومن سيبقى إن أبعدوا المتسلقين؟!

فمجلس مثل الذي يترأسه رجال مؤهلهم الوحيد للمناصب في مؤسسة رياضية بهذا الحجم هو المال، لا يمكن أن يلتف حوله غير المتسلقين والطامحين إلى تحقيق مكاسبٍ مادية من جيوب الرجال، ومن وراء اسم الهلال.

لكن مشكلتنا في هذا السودان أننا نريد كل شيء بالقطعة، ونتعامل مع الأمور والمواقف كجزر معزولة، ونحيد دائماً عن المبدئية في التعامل مع أمورنا وقضايانا الكبيرة.

وإلا فكيف يتوقع هلالي مخلص لكيانه من مجلسٍ قائمٍ هو نفسه على التسلق، وتلميع بعض الإعلاميين لشخوصه، أن يُبعد المتسلقين من حوله؟

القاعدة تقول إن فاقد الشيء لا يعطيه. وطالما قبلنا، كأهلة، أن يكون نادينا مطية وسلماً لكل صاحب ثروة، فلا جدوى من الحديث عن، المؤسسية، الاحترافية، القيم، أو البحث عن مخلصين وناصحين وسط هذا الركام.

فالمتسلق يسعد بوجود متسلق آخر بجانبه، أما الرجل المؤسسي الذي يثق في كفاءته ويؤمن بالاحترافية، فلا يقبل أن يساعده إلا من يشبهونه في القدرات.

وهل يجوز مثلاً أن نأتي بلصٍ معروف كمدير لأحد البنوك، ثم نقول له: نريد منك أن تُظهر لنا أعلى مستويات الشفافية في إدارتك للبنك؟ قطعاً لا يجوز ذلك، وإلا أصبح الحديث للاستهلاك لا أكثر.

والدليل على صحة ما ذكرت آنفاً هو قول زهير، في ذات الحوار، إن العمل في رابطة الرياض نفسها لا يسر، وإن الخلافات فيها بدأت منذ اليوم بسبب المحاصصات و زولي وزولك”.

فإن كان الوضع كذلك في رابطة مشجعين ذات بريقٍ أقل بكثير من مجلس إدارة النادي الذي يتيح فرصاً واسعة للتكسب، فكيف نتوقع أن يُبعد مجلس الهلال المتسلقين وأصحاب المصلحة؟

أكثر ما يجعل حالنا مُزرياً هو نزوعنا الدائم إلى إطلاق الكلام المعد للاستهلاك، وإنعدام الصرامة والحسم في التعامل مع الشأن العام.

إن أراد الأهلة قيام روابط مشجعين كفؤة، تتشكل من أعضاء مخلصين وذوي ضمائر صاحية وقدرة على رفد العمل فيها، فلابد في البداية أن ينالوا عضوية ناديهم، فالعضوية الراشدة ستمكنهم من اختيار أعضاء مجالس الإدارة المؤهلين.

فبدون ذلك، لا يمكن أن يهنأ هؤلاء الأنصار لا بروابط مشجعين فاعلة، ولا بفريق كرة قادر على تحقيق لقب أفريقي طال انتظار الأهلة له، ولا بالمحافظة على موروثات وقيم هذا النادي الكبير.

فلا يعقل أن نقبل بمجلس أتى به بعض المتسلقين وأصحاب المصلحة، وفي ذات الوقت نطالب هذا المجلس بعطاء من لا يملك.

قلت أننا نريد كل شيء بالقطعة، كما نفرح بالقليل ونعظم إنجازات لا تستحق. فبالأمس فاز الهلال بالدوري الرواندي، فقامت الدنيا ولم تقعد، وانهالت عبارات الثناء علي اللاعبين والمدرب ونائب الرئيس العليقي، ناسين جميعاً الفارق الكبير في الإمكانيات، وفي الأموال (السائبة) التي أُنفقت على فريق الكرة في الهلال وما يُصرف على أندية الدوري الرواندي مجتمعة.

كما أننا نتجاهل، عن عمدٍ، حقيقة أن رواندا نفسها انطلقت كبلدٍ في منتصف التسعينات بعد خروجها من حرب أهلية طاحنة، والطبيعي في مثل هذه الحالة أن يظفر الهلال العريق بلقب دوريها حتى ولو شارك بنجومه المعتزلين منذ عشرات السنين. لكننا نسعد دائماً بتخدير أنفسنا ولهذا سبقنا من بدأوا بعدنا بعقود عديدة.

صحيح أن تحقيق أي مكسب في ظروف بلدنا الحالية، وحتى قبل هذه الحرب اللعينة بات من الأمور المُدهشة التي لا تُصدق، لكن ذلك يحدث لأننا نستهين بقدراتنا وإمكاناتنا ونسلم مؤسساتنا الكبيرة لمن لا يملكون المؤهلات اللازمة لإدارتها.