بقلم/ استاذ صلاح عثمان محمد أحمد /مدير المرحلة المتوسطة بالولاية
الحمد لله أولا وآخرا… الحمد لله الذي جعل ما كان حلما بالأمس واقعا يعاش اليوم. بعد غياب امتد لخمسة عشر عاما تعود المرحلة المتوسطة إلى موقعها الطبيعي في السلم التعليمي وعود أحمد نرجو أن يحمل في طياته بشائر اصلاح عميق لا مجرد استعادة شكلٍ قديم
لقد جاءت هذه العودة في سياق سياسي واجتماعي بالغ التعقيد. حيث تتعاظم التحديات وتضيق الموارد غير ان المرحلة المتوسطة – بطبيعتها – ليست رهينة للظروف بل هي مرحلة قادرة على الحياة والنمو في كل المناخات… فهي ليست مجرد حلقة دراسية بين الابتدائي والثانوي بل تمثل مفترقا حاسما في تشكيل وعي الطالب وبناء شخصيته
إننا اليوم أحوج ما نكون إلى هذه المرحلة لا بوصفها انتقالا مكانيا للطلاب بل باعتبارها نقلة نفسية وتربوية عميقة.. ففيها يبدأ الطالب في إدراك ذاته وتتفتح قدراته ويتشكل وعيه الداخلي بأنه قد خطا خطوة نحو النضج مما يعزز لديه تبني القيم الإيجابية والسلوكيات المسؤولة
غير ان عودة المرحلة المتوسطة لا تكتمل بمجرد توفير المباني او إعادة توزيع الطلاب بل تتطلب استعادة روحها التي عرفت بها…. قيمها… تقاليدها أنشطتها… ومعلمها المتميز… وهنا تكمن التحديات الحقيقية فقد فقدت هذه المرحلة – خلال سنوات الغياب – أدواتٍ كانت تمثل أسلحتها الفاعلة في مواجهة الجهل وعلى رأسها منظومة التدريب والتأهيل التربوي
إن غياب معاهد التأهيل التربوي ومراكز التدريب شكل فجوة حقيقية في إعداد المعلم وهو ما يستدعي اعادة النظر بجدية في بناء منظومة حديثة للتدريب تقوم على التأهيل المهني قبل الأكاديمي وتواكب مستجدات العصر ومتطلباته… فالمعلم في هذه المرحلة لا يحتاج فقط إلى معرفة علمية بل إلى كفاءة تربوية عالية تمكنه من التعامل مع مرحلة عمرية دقيقة وحساسة
ومن هنا تبرز ضرورة إعادة تأسيس مؤسسات التدريب التربوي وتطويرها لتصل إلى مستوى كليات جامعية تمنح درجات علمية متخصصة مع تحقيق مواءمة حقيقية بينها وبين كليات التربية في الجامعات…. كما يتطلب الأمر مراجعة شامله لمحتوى هذه الكليات بحيث يتكامل البعد الأكاديمي مع البعد المهني وينسجم مع السلم التعليمي الجديد
إن عودة المرحلة المتوسطة يجب أن تُفهم كمشروع وطني متكامل لا كإجراء إداري عابر مشروع يعيد الاعتبار لدور التربية في بناء الإنسان ويضع المعلم في قلب العملية التعليمية ويمنح الطالب البيئة التي تساعده على النمو المتوازن فكريا ونفسيا وسلوكيا
نعم.. قد ننجح في إيجاد المكان ولكن التحدي الأكبر هو أن نعيد للمرحلة روحها وأن نزودها بالأدوات التي تجعلها قادرة على أداء رسالتها فبقدر ما ننجح في ذلك نكون قد وضعنا لبنة صلبة في بناء مستقبل هذا الوطن.
والأمل معقود على أن تكون هذه العودة بداية لنهضة تربوية حقيقية تعيد للتعليم مكانته وللمرحلة المتوسطة دورها الريادي في صناعة الأجيال.