أعاد السفير ياسر خضر تعريف (الدبلوماسية المنتجة) خلال فترة عمله في الدوحة ، فلم تكن سنواته الخمس هناك مجرد حضور رسمي ، بل كانت (خماسية ذهبية) من الحراك الإستراتيجي الذي نقل السفارة من إطارها التقليدي إلى فضاء المبادرة و التأثير . بأسلوبٍ عملي يتجاوز الرتابة الإدارية ، محولاً البعثة إلى (خلية نحل) تعنى بمتابعة الملفات التنموية و الإستثمارية الكبرى بدقة و إهتمام . لقد قدم خضر نموذجاً للسفير (الميداني) الذي لا يكتفي بالأدوار البروتوكولية ، بل يمتد أثره لمتابعة تنفيذ التفاهمات على أرض الواقع لضمان أقصى مصلحة وطنية ، مبرهناً على أن السفير هو رأس الرمح في فتح آفاق التعاون و تأمين نجاحها و مكرساً صورة ذهنية قوية للدبلوماسي السوداني اليقظ و المحترف .
كاريزما القيادة و شيفرة الإختراق
دخل السفير ياسر خضر الدوحة متسلحاً بكاريزما قيادية لافتة ، إستطاع من خلالها كسب ثقة النخب و السلطات القطرية على حد سواء . لم يكن سفيراً خلف الأبواب المغلقة ، بل كان حاضراً في الحراك القطري ، ناثراً لقدراته القيادية التي جعلت منه محل تقدير كبير لدى القيادة و النخب القطرية . هذه الثقة تُرجمت فعلياً إلى “إنجازات وطنية” ، ففي عهده لم تكتفِ السفارة بمقرها ، بل شيد صروحاً بقيت شاهدة على فترته : مبنى السفارة و إقامة السفير ، في مقرها الجديد داخل مجمع السفارات ، و كذلك شيد المدرسة السودانية في مقرها الحالي و لك ان تتصور حجم الجهد لقيام هذه الصروح الكبيرة ، و كذلك أقام المركز الثقافي السوداني في مقره الحالي و تأثيثه و بفضل كل تلك التجهيزات تحول إلى “رئة” يتنفس من خلالها أبناء الجالية عبق الوطن .
الإقتصاد .. لغة الأرقام و المشروعات الكبرى
في الملف الإقتصادي ، مثّل السفير ياسر خضر (صمام أمان) و منصة ثقة للإستثمارات الإستراتيجية ، حيث شهدت حقبته إنطلاق مشروعات كبرى شكّلت حجر الزاوية في التعاون الثنائي بين البلدين ، بدءاً بمشروع (أبو حمد) الزراعي بآفاقه الواسعة ، وصولاً إلى شراكات نوعية في قطاعي التعدين و صناعة النسيج . و لعل المحطة الأبرز التي جسدت عمق هذا المسار ، كانت (الملتقى الإقتصادي) الذي إحتضنته الخرطوم ، برئاسة سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني (ولي العهد آنذاك) و بمشاركة لافتة لأكثر من (70) من قادة المال و الأعمال ، و هو الحراك الذي تكلل بخطوات عملية فارقة ، أبرزها تدشين أعمال شركة ‘الديار القطرية’ في منطقة بحري و إفتتاح فرع بنك قطر الوطني (QNB) ، مما أرسى دعائم صلبة لشراكة إقتصادية مستدامة .
لم يقتصر دور السفير على مراسم التوقيع ، بل إمتد ليشمل تذليل العقبات ميدانياً ، حيث لعب دوراً حاسماً في معالجة العقبات التي واجهت استثمارات شركتي (حصاد الغذائية) و (مواشي) (ويدام حالياً) . و كان يحرص على مرافقة الوفود القطرية إلى السودان بنفسه لضمان فاعلية الزيارات و تحويلها إلى نتائج ملموسة و هو ما أثمر عن توسع (بنك قطر الوطني) بخمسة فروع إضافية ، و إنطلاق المشروع الإستراتيجي لترميم الآثار و المتاحف السودانية بدعم قطري غير مسبوق .
ثورة في الخدمات والطب
اتسعت دائرة العطاء في عهده لتشمل القطاعين الصحي و الأكاديمي فبجهد دؤوب و تنسيق مستمر مع مؤسسة حمد الطبية ، تم رفد الجامعات السودانية بنحو (5) ألف مرجع علمي في مجالات الطب و الصيدلة غطت (15) جامعة سودانية . و في إستجابة إنسانية و وطنية فارقة ، نجح في تأمين جهاز القلب و الرئة الإصطناعي (Heart-Lung Machine) لمستشفى الشعب بقيمة بلغت مليون دولار و هي الخطوة التي أحدثت نقلة نوعية بمضاعفة عمليات القلب المفتوح في السودان و أسهمت في إنقاذ آلاف الأرواح .
*الدوحة.. منبراً للثقافة والوجدان*
على الصعيد الثقافي ، إستحالَت الدوحة منبراً سودانياً هو الأشد حراكاً و الأبهى إبداعاً داخل و خارج السودان وقتها ، إذ تحولت السفارة تحت قيادته إلى حاضنةٍ استثنائيةٍ ضمت شتات الفن السوداني ، و إستقطبت قاماتٍ سامقة بوزن الموسيقار بشير عباس و الأستاذ بابكر صديق ، وصولاً إلى الهامات الفنية والشعرية الراسخة كأبو اللمين و عقد الجلاد و عمر إحساس و الشاعرة روضة الحاج .
و لم يقف الطموح عند حدود النغم ، بل إمتد ليشمل المسرح و الدراما عبر عروض فارقة ، كمسرحية “النظام يريد” و إبداعات “مجموعة الأصدقاء” التي أنتجت (جو خليجي) و “فرقة تيراب” . سيظل التاريخ شاهداً على تلك الملحمة الأسطورية في (كتارا) حين ضجّ المسرح الروماني بإحتشادٍ مهيب تجاوز العشرة آلاف سوداني ، احتفاءً بذكرى الإستقلال ، في مشهدٍ جسّد ذروة الزهو الوطني و السطوع الثقافي .
و لم تكن الروحانيات بمعزلٍ عن هذا الحراك ، بل كانت جوهر التجربة ، إذ غدا المركز الثقافي في عهده مزاراً جامعاً لكل الأطياف ، و داراً مشرعة الأبواب إستقبلت كبار العلماء و الدعاة من شتى المدارس الفكرية و الدعوية . فقد شهدت أروقتها حضوراً وازناً لرموز الدعوة ، أمثال الشيخ أبوزيد أحمد حمزة و الشيخ محمد الأمين إسماعيل و الشيخ محمد أحمد حسن ، جنباً إلى جنب مع أقطاب التصوف و رموز التربية الروحية كالشيخ الجيلي و الشيخ أسامة الشيخ حمزة .
إن ما تركه السفير ياسر خضر في قطر ، بدءاً من أول انتخابات حقيقية للجالية ، وصولاً إلى تأسيس المركز الثقافي بكامل تجهيزاته ، يمثل نموذجاً لما يجب أن يكون عليه “سفير الوطن”. لقد كان رجلاً يبني الصروح و يجسر المسافات ، مؤمناً بأن الدبلوماسية ليست بروتوكولاً ، بل هي عمل يبدأ من الأرض ليصافح السحاب .
*ختاماً* ، لم تكن سنوات ياسر خضر الخمس في الدوحة مجرد أرقامٍ عبرت تقويم البعثة ، بل كانت ملحمة “إعادة بناء” شاملة للهوية و الوجدان و صياغةً عبقرية للصورة الذهنية للوطن في مغتربه . رحل السفير ، بيد أنه ترك خلفه شواهد تنطق بمآثره و مشروعاتٍ تنبض بحيوية رؤيته و جاليةً إستردت في عهده كبرياءها و ثقتها ببيتها الأول . لقد برهن بيقينٍ لا يتطرق إليه الشك أن الدبلوماسي الحق ليس من يشغل الحيز المادي للمنصب ، بل هو من يملأ الفراغ بين وطنه و العالم بلغة الإنجاز ، ليبقى اسمه محفوراً في ذاكرة العلاقة السودانية القطرية بوصفه “المهندس الأول” لأزهى عصورها و أكثرها سطوعاً