قال تعالى: (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الدين النصيحة”، قالوا: لمن يارسول الله؟ قال: “لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم”. تفرض علينا مقتضيات الأمانة الوطنية قراءة القرارات الأخيرة التي أصدرها القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بعين فاحصة تتجاوز الشكليات الإدارية، إذ أحدثت هذه الخطوات حراكاً واسعاً في الأوساط السياسية والعسكرية، وسط تساؤلات جوهرية حول فلسفة التغيير؛ فهل نحن أمام عملية إعادة هيكلة تقتضيها ضرورة المرحلة، أم أننا بصدد توزيع جديد للأدوار في كابينة القيادة والسيطرة لمواجهة تحديات “معركة الكرامة” المصيرية؟
أحدث تكليف الفريق أول ركن شمس الدين كباشي بملف مساعد القائد العام للبناء والتخطيط الاستراتيجي، موجة من التفاعل العفوي الذي لامس وجدان الشعب السوداني، فالناس يرى في الكباشي “جبل النوبة” الأشم وصمام أمان المؤسسة العسكرية العريقة. ومع تقديرنا العميق لأهمية التخطيط في بناء مستقبل الجيش، تظل طبيعة اللحظة الراهنة وضغوط الميدان تفرض بقاء هذا القائد الفذ في قلب “غرفة العمليات الميدانية”، فالحرب التي يخوضها الوطن ضد مليشيات الغدر لا تحتاج فحسب إلى عقول ترسم الخطط، بل إلى قادة جسورين يتقدمون الصفوف في جبهات القتال الأمامية.
عرف الشعب السوداني والقوات المسلحة في الفريق كباشي جنرالاً “يحفظ لوحه تماماً”، ويجمع ببراعة بين الحنكة الإدارية والبسالة الميدانية، وهو رصيد من الثقة لم يأتِ بقرار مكتوب بل انتزعه بمواقفه الصلبة، خاصة وأنه ظل دوماً مظلة حامية لهوية جبال النوبة وللحضارة السودانية قاطبة. وتستوجب مقتضيات “معركة الكرامة” ألا يغادر المقاتل الشرس خندقه الميداني ليغرق في الملفات المكتبية، بل يجب أن تتوحد آلية القرار العسكري بين التخطيط والتنفيذ في يد من خبروا الأرض وعرفوا دروب النصر، خاصة وأن للكباشي أدواراً مشهودة وملاحم سطرها في عمليات جبال النوبة، وتأمين جبل موية، ومحاور سنار وغيرها من الثغور التي شهدت على جسارته، ضماناً لاستمرار الزخم القتالي حتى تطهير آخر شبر من أرض البلاد.
يمثل انتقال الفريق ياسر العطا لرئاسة هيئة الأركان، بما عرف عنه من وضوح وصرامة في الحسم العسكري، خطوة متقدمة نحو توحيد الإرادة القتالية، لكن هذا العقد لن يكتمل إلا بوجود الكباشي في موقعه الطبيعي كنائب ومسؤول مباشر عن إدارة العمليات وتنسيقها ميدانياً. وتقتضي الضرورة تكامل الأدوار بين القيادة السياسية والقيادة الميدانية، لسد كافة الثغرات التي تحاول المليشيات النفاذ منها، سواء عبر “دبلوماسية التآمر” أو “خيانة الداخل”، وهو ما يتطلب وجود قيادات بوزن الكباشي تملك القدرة على الردع المباشر في غرف العمليات النشطة.
قد يُفهم إبعاد القيادات التي تحظى بقبول شعبي وعسكري واسع عن واجهة القرار الميداني بصورة خاطئة تضعف الروح المعنوية، في وقت نحتاج فيه إلى رص الصفوف وتثبيت القادة الذين أثبتوا صموداً أسطورياً في وجه المؤامرات. ويظل الفريق كباشي رمزاً لاستقرار الدولة وقوة شكيمة القوات المسلحة، فبقاؤه في “كابينة السيطرة الميدانية” هو الضمانة الحقيقية لترجمة الخطط الاستراتيجية إلى انتصارات ملموسة على الأرض، وتفويت الفرصة على المتربصين الذين يراهنون على إضعاف التماسك الداخلي لقيادة الجيش السوداني.
يطرح سؤال الهيكلة نفسه بقوة: هل تخدم هذه التوزيعات سرعة الحسم؟ يشير الواقع إلى أن تداخل الاختصاصات بين الملفات السيادية والتنفيذية قد يعيق حركة القادة الميدانيين، ولذلك يظل الأوفق تحرير القادة المحاربين من الأعباء البيروقراطية الطويلة، وتركيز جهودهم في “هيئة أركان الحرب” لإدارة العمليات اليومية. فالكباشي، بمواقفه الوطنية ورفضه القاطع لمساومات “سلام جوبا” التي حاولت النيل من جبال النوبة، أثبت امتلاكه رؤية وطنية ترفض الغدر والمهادنة، وهي الصفات المطلوبة لقيادة المرحلة النهائية وتطهير البلاد من دنس المتمردين.
تبدو عودة الفريق كباشي لمباشرة مهامه الميدانية الكاملة ضرورة حتمية تمليها تعقيدات المشهد العسكري، فخبرته العميقة في التعامل مع ملفات الحركات المسلحة ومعرفته الدقيقة بجغرافيا السودان تجعل منه القائد الأنسب لهذه المرحلة. فالنصر لا يصنعه التمني، بل الرجال الذين يشبهون “الجبال” في ثباتهم، ويشكلون حائط صد منيعاً أمام محاولات تمزيق النسيج الاجتماعي والسياسي، وهو ما يجسده الفريق أول ركن شمس الدين كباشي في كل مهمة أوكلت إليه منذ انطلاقة شرارة معركة الكرامة.
يجب أن تصب ترتيبات مجلس السيادة في اتجاه تقوية الجبهة الداخلية عبر الكوادر الصادقة التي لم تتلوث بالارتهان للخارج، فبقاء الكباشي في قمة الهرم الميداني يبعث رسالة طمأنة لأبناء النوبة وللشعب السوداني قاطبة بأن الجيش لن يفرط في حقوقه التاريخية. فالعبرة ليست بالمسميات الوظيفية، بل بالقدرة على التأثير في مجريات الحرب، وحضور الكباشي في غرف القيادة والسيطرة هو صمام الأمان الذي يمنع التردد ويحفز المقاتلين في كافة المحاور، لما يمتلكه من كاريزما وقبول منقطع النظير في صفوف الجنود.
تفرض علينا النصيحة الوطنية الصادقة القول بأن خروج الكباشي من دائرة الفعل الميداني المباشر يمثل خسارة لا يحتملها الميدان في هذا التوقيت، مما يستدعي إعادة تقييم هذه المهام ليكون الرجل في الموقع الذي ينتظره فيه شعبه. فنحن نرقب اكتمال النصر بتحرير كامل تراب الوطن، وتطهير الخرطوم وكافة الولايات من المرتزقة، وهي مهمة تتطلب وجود القادة الذين لا يساومون، ويضعون مصلحة السودان فوق كل اعتبار تنظيمي، حتى نصل بالبلاد إلى بر الأمان المنشود.
اللهم إننا قد أبدينا وجهة النظر نصحاً لله وللوطن وللقيادة، رغبة في تحقيق النصر المؤزر، لتبقى قواتنا المسلحة قوية ومنيعة، ولتظل جبالنا شامخة برجالها الصادقين، ونسأل الله أن يحفظ السودان وأهله من كل مكروه، قال تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ). اللهم هل بلغت.. اللهم فاشهد.