الممشى العريض.. خالد أبو شيبة يكتب: حكاية طبيب يُعيد للطب إنسانيته

في زمنٍ تتآكل فيه القيم تحت وطأة المادية، وتتحول فيه بعض المهن النبيلة إلى مجرد وسائل للكسب، تظل هناك نماذج مضيئة تقاوم هذا الانحدار، وتعيد الإعتبار لمعنى الرسالة قبل المهنة.. في قلب مدينة أبها، وتحديدًا داخل مجمع نهج الارتفاع الطبي، تجلت واحدة من هذه الصور الإنسانية التي تستحق أن تُروى.

لم تكن الزيارة سوى رحلة ألم… وجع ضرس أنهك الجسد، وأثقل الروح. لكن خلف هذا الألم، كان هناك يقين داخلي بقيمة الأطباء السوريين، بمهارتهم، بدقتهم، وبإنسانيتهم التي كثيرًا ما سبقت أدواتهم. كان الأمل أن يكون الطبيب سوريًا… دعاء صادق خرج من القلب، فجاءت الاستجابة أسرع مما يُتوقع.

هناك، التقيت بالدكتور عبد الحميد حسن جعمور… لا بوصفه طبيبًا فحسب، بل بوصفه حالة إنسانية نادرة. منذ اللحظة الأولى، لم يكن التعامل جافًا أو ميكانيكيًا كما اعتاد كثيرون، بل كان حديثًا مطولًا، شرحًا وافيًا، واهتمامًا حقيقيًا بتفاصيل الحالة، وكأن المريض ليس رقمًا في سجل، بل إنسانًا له وجعه وظروفه.

قبل أن تبدأ أدوات الفحص عملها، كان التشخيص حاضرًا بعين الخبير: تسوس في أحد الأضراس البعيدة عن موضع الألم. لم يكن حدسًا عابرًا، بل قراءة دقيقة أثبتها الفحص لاحقًا. هنا تتجلى الخبرة، وهنا يُصنع الفرق بين طبيب يؤدي عمله، وطبيب يعيش رسالته.

لكن ما هو أبعد من المهارة، كان ذلك الحس الإنساني العالي. إدراك عميق لظروف مريض سوداني يمر بمرحلة قاسية، وتقدير صادق لمعاناته، انعكس في كل تفصيلة من تفاصيل التعامل. لم يكن العلاج مجرد إجراء طبي، بل موقف إنساني كامل، يُعيد الثقة في أن هذه المهنة ما زالت بخير.

في حضرة نماذج كهذه، يسقط الادعاء، وتخجل النماذج التي اختارت أن تبيع الضمير بثمن. فالأطباء الحقيقيون لا يُقاسون بعدد الحالات، بل بقدرتهم على ملامسة الألم، وفهم الإنسان قبل الجسد.

شكرًا دكتور جعمور… لأنك لم تعالج ألمًا فقط، بل رممت يقينًا بأن الطب سيبقى رسالة، ما دام فيه أمثالك.