■ حين تتسابق خطى الأمل نحو نهضة اقتصادية حقيقية، تتوجه الأنظار تلقائياً صوب ذلك العملاق الرابض في قلب السودان، مشروع الجزيرة؛ الذي يمثل رئة البلاد الاقتصادية ومستودع قوتها، فكان لزاماً أن يُسلط عليه الضوء بذكاء إعلامي مغاير يواكب جسامة التحدي وعظمة المورد.
■ تجلت عبقرية الفكرة في سلسلة حلقات “أرض الواقع” التي لم تكتفِ بالمرور العابر، بل غاصت في تفاصيل “الواقع والمستقبل المنشود”، لتخلق جسراً معرفياً بين إرث تاريخي عريق وتطلعات غدٍ يفيض بالخضرة والنماء والإنتاج، بعيداً عن الرتابة والتقارير المكتبية الجوفاء.
■ برع الزميل الإعلامي زهير الطيب بانقا في افتراع هذا الطرح الحيوي، ممتشقاً مهنيته في إدارة حوارات اتسمت بالعمق والشفافية، مما جعل المشاهد شريكاً أصيلاً في تفاصيل هذا الصرح الذي لا يقبل القسمة على التخاذل أو النسيان، مقدماً نموذجاً للإعلام الاستقصائي المسؤول.
■ استطاع البرنامج بموسيقاه الصامتة بين السطور ملامسة عصب القضية السودانية، فمشروع الجزيرة ليس مجرد مساحات شاسعة، بل هو فلسفة حياة وعمود فقري لا يستقيم حال الاقتصاد الوطني إلا باستقامته وسلامة مفاصله، وهو ما نجحت الكاميرا في تجسيده ببراعة.
■ تنوعت المعالجات البرامجية في السلسلة بين الحوار الرصين والتقرير الاستقصائي والمنوعات الخدمية، مما أضفى حيوية على المادة المقدمة، وكسر رتابة الطرح التقليدي للمواضيع الزراعية، محولاً إياها إلى قضية رأي عام بامتياز تشغل بال كل غيور على رفعة الوطن.
■ في لقاءاته مع محافظ مشروع الجزيرة، المهندس إبراهيم مصطفى، نجح زهير بانقا في استنطاق “السيرة والمسيرة”، وتفكيك تعقيدات الراهن، مما منح المتلقي جرعة مكثفة من الثقة في وجود قيادة تدرك حجم التحدي وعظمة الأمانة، وتعمل بصمت وسط العواصف.
■ لم تغب آثار الحرب وتداعياتها عن طاولة “أرض الواقع”، حيث تم تشريح الواقع المرير الذي فرضته الظروف بمهنية وطنية عالية، مع التركيز على دور القطاعات المختلفة في الصمود والحفاظ على ديمومة العمليات الزراعية كخط دفاع أول عن الأمن الغذائي.
■ انتقلت الكاميرا بذكاء من مكاتب القيادة إلى حقول “ود نعمان” وقطاعات المشروع المختلفة، لتنقل نبض المزارع والمنتج، وتجعل من “إفادات الأرض” مرجعاً حقيقياً لصناع القرار، ملتحمة بالتراب والكدح لتنقل الحقيقة كما هي دون مساحيق تجميل.
■ التوفيق الذي لازم زهير بانقا في اختيار ضيوفه من قيادات ومزارعين وإعلاميين، يعكس بصيرة نافذة في فهم مكونات “مجتمع الجزيرة”، وهو الأمر الذي أعطى للحلقات صبغة الشمولية والمصداقية اللازمة للنجاح، وجعلها مرآة عاكسة لكل الأطياف المرتبطة بالإنتاج.
■ أهمية هذا المشروع تفرض علينا جميعاً وقفة تأمل وطنية، وقد نجح البرنامج في وضع الإصبع على “مواطن الخلل” بشجاعة، وسعى لسد الثغرات عبر طرح حلول ومقترحات تنسجم مع تطلعات المستقبل المنشود، محولاً النقد إلى طاقة بناء وتعمير.
■ ما يميز “أرض الواقع” هو القدرة على ربط الماضي بالحاضر، فالبحث في “بداية المشروع” لم يكن ترفاً تاريخياً، بل كان استدعاءً لروح الإتقان والتأسيس المتين، لتُبنى عليها أحلام الجيل القادم في النهضة الزراعية الشاملة التي ننشدها جميعاً.
■ نأمل بصدق أن يستمر هذا الجهد الإعلامي بذات الوتيرة من التدفق المعلوماتي، ليصبح البرنامج منصة دائمة لمعالجة القضايا الاقتصادية الكبرى، فالسودان في هذه المرحلة يحتاج إلى إعلام يبني ويعمر ويصحح المسارات، بعيداً عن ضجيج الشعارات التي لا تسمن ولا تغني.
■ عموما… قدم زهير بانقا في هذه السلسلة نموذجاً للإعلامي المسؤول الذي يدرك أن الميكرفون أمانة، وأن الكلمة إن لم تزرع أملاً أو تحصد حقيقة، تظل هباءً منثوراً، وهو ما تجاوزه “أرض الواقع” بامتياز واقتدار، واضعاً بصمة مهنية تستحق الاحتفاء والتقدير.
■ يبقى مشروع الجزيرة هو الرهان الرابح في معركة البقاء، وتبقى سلسلة “أرض الواقع” هي المرآة الصادقة التي تعكس تفاصيل هذا الرهان، وتدفع بالجميع نحو العمل والإنتاج وتجاوز عثرات الراهن بصلابة وإيمان لا يتزحزح بعظمة هذا التراب.
■ هي دعوة لمواصلة هذا النهج الإعلامي الرصين، فالجزيرة تستحق، والوطن ينتظر، وخيوط الأمل التي نسجها زهير بانقا في حلقاته يجب أن تكتمل لتصبح ثوباً يستر عيوب الاقتصاد ويزين جيد السودان من جديد، معيداً له بريقه كأرض للخير والوعود المحققة.