كنده غبوش الإمام… يكتب : تراحم الأمة في بربر يقهر خذلان المسؤولين للنازحين

متابعات: سودانية نيوز

​الحمد لله الذي أنزل في محكم تنزيله: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين، القائل: «مَن كان في حاجةِ أخيه كان اللهُ في حاجتِه». وبعد..
​أكتبُ هذه الكلمات وفي الحلق غصة، وفي القلب عتبٌ يلامس عنان السماء. أكتبها لا بلسانٍ يرجو نوالاً شخصياً، بل بلسان “كنده غبوش” الذي أفنى عمره في دروب الدعوة، يطرق الأبواب لقضاء حوائج المستضعفين الذين تقطعت بهم الأسباب. أكتبُ وأنا أتساءل بمرارة هزت أركان يقيني بما يدور في أروقة الحكم: هل صرنا في هذا الوطن غرباء عن “أهل القبلة”؟ أم أن دماء النازحين وأوجاعهم لم تعد تجد لها متسعاً في “أجندة” كبار المسؤولين؟
​لقد بحَّت أصواتنا بنداءات الاستغاثة، وخطت أقلامنا رسائل “عاجلة” لم تترك باباً إلا وطرقته؛ خاطبنا رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وخاطبنا ولاة ولايات (القضارف، كسلا، البحر الأحمر، ونهر النيل)، ومددنا أيدينا بالرجاء إلى الأمين العام لديوان الزكاة الاتحادي. كان المطلب يسيراً لا يشق على دولة، وتفرضه قيم التراحم الإسلامي في السراء والضراء: “سلة رمضانية” تستر جوع (90) أسرة متعففة من النازحين الذين ضاقت بهم الأرض بما رحبت في محلية “بربر” بولاية نهر النيل.
​ولكن.. يا لهول الفجيعة!
لم نجد من القصور المنيفة والدواوين الحكومية إلا صمتاً كصمت القبور، وكأن هؤلاء الأرامل واليتامى والنازحين سقطوا من حسابات “الجسد الواحد” الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. بل وأدهى من ذلك وأمر؛ فبدلاً من الاستجابة، انطلقت في وجهنا سهام الاتهامات الباطلة، وحيكت ضدي حملات إعلامية قميئة تتهمني بـ “المتاجرة” بقضية النازحين، وتصف قلمي بـ “المجاور”. ويشهد الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، أنني ما ابتغيتُ إلا وجهه، وما وقفتُ إلا مع الإنسان السوداني الذي ينهشه الجوع والنزوح، لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء.
​إن العتب على البرهان وواليه وأمين زكاته ليس مجرد لوم عابر، بل هو “شدٌّ” على الضمائر التي غفلت عن جوع الناس في أقدس الشهور. كيف يهنأ مسؤول بمائدة إفطار وفي ولايته من يقتات على الصبر؟ أين “الزكاة” التي جُمعت من عرق الناس، وأين قيم التكافل الإسلامي إذا لم تكن لهؤلاء الذين يفترشون الثرى ويلتحفون السماء؟
​وفي مقابل هذا “الخذلان الرسمي”، تشرق شمس “بربر” الأبية بأهلها الأخيار، الذين جسدوا المعنى الحقيقي لتراحم الأمة؛ فهبَّ أهل بربر الأبرار ومعهم إخوانهم من أبناء جبال النوبة المستقرين بالمنطقة، وأقاموا إفطارات الكرامة في كل زقاق وحي، بقلوب مفتوحة لا تعرف “الفرز” القبلي أو الجهوي، مؤكدين أن الخير في أمتنا باقٍ بجهد الشعوب لا بوعود الحكومات.
​ونشير بتقدير، لننصف من أنصف، إلى المدير التنفيذي لمحلية بربر الذي تبرع بخيمة، آثرتُ أن تذهب لأسرة هي أحوج مني لظلها. كما لا يفوتني شكر هيئة علماء السودان الذين وصل تبرعهم، لنشتري به دقيقاً بسعر “الشهامة” من التاجر تاج السر محمد أحمد كرار، لنوزعه على من غفل عنهم الرسميون وذكرهم الله في عليائه.
​ختاماً..
اللهم إني قد بلغت ما تعجز عنه الألسن من وجع، اللهم فاشهد على من خذل الضعفاء وهو يملك قدرتهم على الرحمة، وكفى بك شهيداً.
​والله من وراء القصد،،