خديجة بت الصول ابراهيم تسترجع من ليبيا ذكريات العيد في السودان 

يأتي الينا العيد ممزوجا بمشاعر الفرح والسرور والحزن والالم لافتقادنا بعض الاحبة خلال السنوات بل الاشهر الماضية
ولأن العيد للأطفال تعود ذاكرتي للوراء واتذكر عيدنا مع ابي نعم ابي رحمه الله واهله المجاورون
ابي كان حريصا علي كسوتنا قبل العيد بايام ولا ادري كيف كان راتبه المتواضع جدا يغطي ويفي بكل التزاماتنا ونكون راضين كل الرضا وقنوعين قناعة تامة بل وفرحين جدا بما حمله لنا رغم رمزية الاشياء وتواضعها ..
وقبلها امي يعطيها الصحة والعافية وطول العمر يارب واخواتي الكبار وعلي راسهم مديرة المنزل هدي بل هدانة ونور احيانا نور الهدي 😍 كانت الدينمو المحرك والمنسق العام لفعاليات العيد والاعداد له يعطيها الصحة والعافية هي وكل اخواتي واخواني ..
وقد شكلوا خلية نحل في التجهيز للعيد واعدوا الخبيز وحفظوه في مكان امن بعيدا من عبث الاطفال وهم نحن في ذاك الوقت خديجة وحنان والمعتصم وسلمي ويطلق علينا العيال الصغار هههه..وكذلك اعدوا كل ما يلزم الضيافة وفطور العيد الذي تكون كل محتوياته جاهزة ومترتبة ..

 

واذكر تماما لحظة دخول ابي بعد الصلاة ومعه الصبية من اخوتي في ثيابهم البيضاء منهم من غيبه القدر جمال وحسن نسأل الله ان يكون رفقاء ابي وعيدهم في اعالي الجنان وبمن لحق منهم من الاحفاد هاني وشاهين وكل الاهل المجاورين …

ابي كان هاشا باشا فرحا مرحا يفتح ذراعيه ليحضتننا جميعا وفاطره الذهبي يزداد بريقا ولمعانا يتلألأ …اه ثم اه ما عدنا نراه 💔 يقبلنا في الجبين ويمسح علي رؤوسنا يحتوينا جميعا وامي كان لها نصيب من هذه اللمسات تنسيها تعب وشقاوة ليالي رمضان المليئة التي كانت لا تخلو يوما من الضيوف والاهل المقيمين ومجلس ابي كان لا يفضي ابدا اقام فيه ديوانا كبيرا وهو مضيفة لا تخلو ابدا فهو راعي الانشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية في مدينة زالنجي قلب دارفور النابض ومن قبلها فاشر السلطان بحكم عمله وتواجده في تلك المنطقة العزيزة علي قلوبنا كانت له بصمته التي لا زال اهل الاقليم يذكروها جيدا وازدادوا تعلق به واصبح الصول ابراهيم من الشخصيات القومية لعموم دار فور التي تنزف الان …ربنا يعيد لها سيرتها الاولى في التعايش السلمي والرخاء والامن والاستقرار ..وكان فاعلا في الحراك السياسي انذاك والنشاط النقابي وقد مثل الاقليم وتم اختياره من ضمن ثلاثة من بينهم الشهيد الشفيع احمد الشيخ ليمثلوا السودان في يوغسلافيا …كان كل هذا التفاعل المجتمعي وراه امراة عظيمة هي امي واخواتي الكبار . كان ابي يتبني المبادرات الداعمة لكل الانشطة ويقيم لها الاجتماعات تلو الاجتماعات …امي واخواتي كانوا بنفوس راضية يقدمن الخدمات وقد اعتدن علي ذلك بل وعشقناها حتي نحن واصبحنا علي دربك سائرون ابي ..ما اروعك انت مصدر الجمال الاخلاقي في حياتنا وأبنائنا في مدرسة ابي اشياء كثيرة تعلمناها واستفدنا منها الكثير الا تعيش لنفسك ابدا…
انظر حولك وساعد علي قدر ما تقدر حتي بالكلمة الطيبة والابتسامة صدقة ..كن صبورا …ان تكون ايجابيا في مجتمعك ومحيطك . قدم الخير للناس ..كن متسامحا …تلك هي السعادة الحقيقية والرضا .. صدقة جارية لكما ابي وامي 😍
وكان فطور العيد جاهزا العصيدة والملاحات المتنوعة والبراعة في الاخراج الفني والشعيرية حاضرة بقوة واختها السكسانية لم تغيب وصحن الشطة مكملا …
وبعدها تبدا قوافل الطواف علي الجيران والاهل والاصدقاء والبعض منهم قد تمت زيارتهم بعد الصلاة مباشرة وكل من كان في الطريق ..يكون الطواف بيتا بيتا وشارعا شارعا معيدين فرحين بهذه اللحظات الجميلة رفقة ابي ..وقد نذهب لاناس نجدهم قد تعاقبوا معنا في منازلنا وقد نلقاهم في الطريق يتم العناق والترحاب العيد لم يكن اسفيريا كما هو الحال الان …للعيد نكهة خاصة في تصافح الايدي وطلب السماح ونسمع كثيرا العفو لله والرسول ما اروع اعيادنا …كانت ..

وفي المساء كان هنالك مهرجانا عفويا نشهده كل عام في احد ميادين مدينة زالنجي وهذا التفاعل نجده واقعا وعرفا في كل مناطق دارفور لا ادري ان كان قايما حتي الان ام الحروب والنزوح قد حرمت هذه الكيانات من هذه الانشطة وفرحة العيد ..
هذا المهرجان لا تنظمه لجان ولا يشرف ويدعوا اليه احد بل كانت كل القبائل في المنطقة تكون حاضرة نساءا ورجالا واطفالا في احد ميادين المنطقة ويقيموا دائرة وتستعرض كل قبيلة تراثها ورقصاتها المتنوعة التي يشارك فيها الجميع وتقرع الطبول والزغاريد وكنا نطوف بينهم فرحين سعيدين وهم كذلك طربا وغناءا كانت القبائل جمبا الى جمب في تعايش سلمي…ومحبة ليست هنالك بوادر فرقة بل كانت القبيلة صمام امان في الحفاظ علي النسيج الاجتماعي والامن واستقرار المنطقة على خلاف ماهو الان من يزرع الفتن ويخطط ويهجر ..بل ويحرق ويبيد المدن …

كان هذا المهرجان يستمر حتى الساعات الاولي من الفجر ولا ننسى استعراضا لسباق الخيل علي الجانب الاخر وفرسان القبائل في كامل حلتهم يتبارون ويتنافسون ويبدعون في اظهار براعتهم لنيل استحسان اهلهم والتباهي والتفاخر بهم واسر قلوب الفتيات المولعات بالفراسة والشهامة .
وهنالك جانبا للاطفال في هذا اامهرجان الكبير فيه الارجوحات رغم بدائيتها الا انها كانت حلمهم فرحين بها .
نعود الي المنزل بعد المغرب رغم الانهاك والتعب الا ان هنالك برنامجا اخر ينتظرنا بعد العشاء وهو اننا نلعب مع الوالد لعبة شليل ونغني اغنيتها المشهورة التي نحفظها عن ظهر قلب واعني نحن اطفال الزمن الجميل والشليل هو عظم ابيض صغير يرمي به ابي بعيدا ويدعونا للجري والبحث عنه في الليالي القمرية في فناء المنزل مصحوبا بانشودته الرائعة ..شليل وينو ..خطفوا الدودو ..شليل وين راح بلعوا التمساح ..وننطلق للبحث ….ومن يجده ياتي مسرعا حتي لا يخطف منه ويفوز بالهدية …
بعدها نستلقي علي فراشتنا ونتابع بوضوح فعاليات اامهرجان نستمع الي الغناء بكل اللهجات واللغات المحلية ونعرفهم جيدا هذه لهجة القبيلة كذا وتلك كذا وصوت الطبول يقرع اذاننا والالات الموسيقية البدائية تعطي نغما جميلا …ونستمع الي الشعر ايضا والمجادعة بين شاعرين مابين مدحا وذما ..وصوت الهداي يداعب مسامعنا ..بل وصوت الحكامات والحكامة هي شاعرة القبيلة وشعرها سلاح ذو حدين قد يقود الي السلم وقد يشعل حربا …والحكامة لها وضع في القبيلة يهابها الجميع ويعمل لها الف حساب ليوم كهذا تنشد شعرا ملسنا ان كان ذما ومشكارا ان كان مدحا وتغرق بالهدايا تنثر فيها النقود وتصب عليها صبا ومايسمي بالنقطة ..

كنا نعيش كل هذه اللحظات وهذا التنوع الذي يبعث البهجة والسرور وكنا ننتظر الاعياد بفارغ الصبر لانها ارتبطت عندنا باشياء وذكريات واليوم لا رائحة لا لون لا طعم لها ..كانت ايامنا جميلة رغم بساطتها وكان العيد مرتبط بابي لذلك جاءت الاعياد رتيبة واثر في نفسي اختي سلمي بعثت لي في هذا العيد بمقطع تكبيرات العيد معلقة ان هذه التكبيرات تذكرها ابي …قلت لها والحزن والالم سيطر علي المشهد ان كل مافي العيد وفرحته تذكرنا ابي لك الرحمة والمغفرة ياغالي وعيدك واولادك واحفادك واهلك المجاورون في الجنة يارب العالمين .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.