اللواء د. خواض الشامي عبدالرحيم في حوار خاص: الشرطة استعادت حضورها في الخرطوم.. وملاحقة المسروقات مستمرة

الناطق الرسمي باسم الشرطة السودانية لـ«المجلة»: 2600 شهيداً من الشرطة في معركة الكرامة.. و19,650 عربة جرى تجميعها في مواقع داخل العاصمة

حوار: أمية يوسف حسن أبوفداية

مدير المركز السوداني لحقوق الإنسان وحرية الإعلام

في أول حوار صحفي من نوعه مع سعادة اللواء الدكتور خواض الشامي عبدالرحيم، مدير الإدارة العامة للإعلام والعلاقات العامة والناطق الرسمي باسم الشرطة السودانية، نتناول بالأسئلة المباشرة جملة من القضايا التي تهم المواطن السوداني، في مقدمتها استعادة الأمن في الخرطوم بعد تحريرها، وتحديات المرحلة الراهنة، والتفلتات الفردية، والاتهامات المتعلقة بالرشوة، وأوضاع الحراسات، والضغوط التي يتعرض لها أفراد الشرطة، فضلاً عن ملف السيارات والممتلكات المنهوبة التي تسعى الشرطة إلى إعادتها لأصحابها.

ويأتي هذا اللقاء في توقيت بالغ الحساسية، إذ تتداخل فيه تحديات إعادة بناء مؤسسات الدولة مع تطلعات المواطنين إلى الأمن والاستقرار واسترداد ممتلكاتهم، في ظل آثار الحرب الواسعة على العاصمة ومرافقها ومؤسساتها.

وقد اتسم حديث اللواء الشامي بالصراحة والوضوح، مع حرصه على عرض ما يراه حقائق تتصل بأداء الشرطة، دون إغفال جوانب القصور والتحديات التي تحتاج إلى معالجة. كما تطرق إلى أهمية توحيد الخطاب الإعلامي للشرطة، بعد إعادة الجمع بين وظيفة الناطق الرسمي ومدير الإعلام والعلاقات العامة، بما يعزز التنسيق بين الجهات المختصة ويوفر مصدراً أكثر اتساقاً للمعلومات الرسمية.

وفي هذا الحوار، لا يقتصر النقاش على ما تحقق، بل يمتد إلى ما ينتظره المواطن من الشرطة في المرحلة المقبلة، وكيف يمكن تعزيز الثقة العامة، وتحسين بيئة العمل الشرطي، وترسيخ مبدأ المحاسبة، وتطوير العلاقة بين المؤسسة الأمنية والمجتمع.

إعادة توحيد الناطق الرسمي والإعلام.. خطوة نحو خطاب أكثر اتساقاً

س: بدايةً، نرحب بكم في هذا اللقاء، ونود أن نبدأ من موقعكم الحالي مديراً للإعلام والعلاقات العامة والناطق الرسمي باسم الشرطة السودانية. ما أهمية الجمع بين الوظيفتين في هذه المرحلة؟

اللواء د. خواض الشامي عبدالرحيم:

إن الجمع بين وظيفة الناطق الرسمي باسم الشرطة ومدير الإدارة العامة للإعلام والعلاقات العامة يتيح قدراً أكبر من التنسيق والتكامل بين الجهات المعنية بالإعلام الشرطي، ويساعد على توحيد الرسالة الرسمية، وتسهيل تدفق المعلومات، وتقديمها بصورة أكثر وضوحاً واتساقاً.

فالعمل الإعلامي في مؤسسة بحجم الشرطة لا ينفصل عن طبيعة المهام الميدانية التي تضطلع بها، ولا عن مسؤوليتها في التواصل مع المواطنين ووسائل الإعلام. ومن المهم أن تصل المعلومة الصحيحة من مصدرها المختص، وأن تكون هناك آلية واضحة للتعامل مع الأحداث والتطورات، بعيداً عن تضارب التصريحات أو تأخر التوضيحات.

نحن ندرك أن المواطن يحتاج إلى معرفة ما يجري، وأن الإعلام يؤدي دوراً أساسياً في نقل المعلومات، وشرح طبيعة الإجراءات، وإبراز الجهود المبذولة، وكذلك تسليط الضوء على أوجه القصور التي تستدعي المعالجة.

س: ما أبرز الأدوات التي تعتمدون عليها في التواصل مع الرأي العام ورصد ما يثار حول أداء الشرطة؟

اللواء الشامي:

تعمل الإدارة عبر عدد من الوسائل، من بينها اللقاءات الإعلامية، والصفحة الرسمية للشرطة على موقع فيسبوك، إلى جانب إعداد تقرير يومي يرصد ما ينشر عن أداء الشرطة، سواء كان إيجابياً أم سلبياً.

إن رصد ما يكتب عن الشرطة مهم لفهم اتجاهات الرأي العام، والتعرف على القضايا التي تشغل المواطنين، ومتابعة الشكاوى والملاحظات التي تظهر في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.

ولا ينبغي أن ينظر إلى النقد باعتباره أمراً سلبياً في حد ذاته؛ فهناك فرق بين النقد الموضوعي الذي يستند إلى الوقائع ويساعد على الإصلاح، وبين المعلومات غير الدقيقة أو الحملات التي تستهدف التشويه. والتعامل المهني مع الحالتين يقتضي التحقق من المعلومات، والرد حيث يلزم، وتصحيح الأخطاء متى ثبت وقوعها.

ونحن نحرص على أن يكون الإعلام وسيلة للتواصل وتوضيح الحقائق، وليس مجرد أداة لتقديم صورة مثالية عن المؤسسة.

الخرطوم بعد التحرير.. استعادة الأمن وسط تحديات الحرب

س: تحدثتم عن التحسن في الوضع الأمني بالعاصمة. كيف تصفون واقع الخرطوم بعد التحرير، وما الذي تغير على الأرض؟

اللواء الشامي:

لقد مرت الخرطوم بمرحلة بالغة التعقيد خلال الحرب، وكانت مناطق واسعة منها خاضعة للاحتلال والسيطرة المسلحة، وتعرضت مؤسساتها ومنازل المواطنين وممتلكاتهم لعمليات نهب وتخريب واسعة.

وبعد تحرير العاصمة، أُنشئت لجنة لضبط الأمن، وأسهمت جهودها، بالتعاون مع الجهات المختصة، في تحسين الوضع الأمني واستعادة قدر من الاستقرار، حتى أصبحت الخرطوم تستعيد تدريجياً ملامح المدينة الآمنة، على غرار المدن الآمنة الأخرى في البلاد.

لكن من المهم أن نوضح أن استعادة الأمن ليست حدثاً يقع في يوم واحد، ولا تعني انتهاء جميع المخاطر. إنها عملية مستمرة تتطلب انتشاراً فعالاً، ومتابعة للبلاغات، وملاحقة للمجرمين، وضبطاً للمظاهر التي تهدد سلامة المواطنين، إلى جانب تعاون المجتمع مع الأجهزة المختصة.

س: هل يمكن تقديم صورة عملية عن الوضع الأمني، بعيداً عن التوصيفات العامة؟

اللواء الشامي:

تشير البيانات اليومية التي نتابعها إلى محدودية بعض أنواع الحوادث الجنائية في مناطق معينة من العاصمة. وعلى سبيل المثال، أشار التقرير اليومي الخاص بمدينة أم درمان، بتاريخ الاثنين 26 أكتوبر 2026، إلى وقوع حادث مروري مؤسف أسفر عن وفاة 8 شخصاً، مع عدم تسجيل حوادث قتل أو أذى جسيم أو سطو مسلح ضمن الوقائع التي تناولها التقرير.

وهذا مثال على أهمية قراءة التقارير الأمنية في ضوء الوقائع المسجلة، مع مراعاة اختلاف الوضع من منطقة إلى أخرى، وعدم تعميم بيانات مدينة أو يوم بعينه على جميع مناطق العاصمة.

إن انخفاض بعض الجرائم مؤشر إيجابي، لكنه لا يعفينا من مواصلة العمل، كما أن الحوادث المرورية المميتة تذكرنا بأن مفهوم الأمن لا يقتصر على مكافحة الجريمة، بل يشمل حماية الأرواح في الطرقات، والالتزام بقواعد المرور، وتعزيز السلامة العامة.

س: هل يعني ذلك أن العاصمة تجاوزت مرحلة الخطر؟

اللواء الشامي:

لا يمكن القول إن جميع المهددات قد انتهت. فما زالت الطائرات المسيّرة تمثل أحد التحديات الأمنية، غير أن القوات المسلحة طورت قدراتها في التعامل معها، وتعمل على مواجهة ما تبقى من تهديدات محتملة.

أما الولايات الأخرى، فإن الوضع الأمني فيها أفضل نسبياً من المناطق التي شهدت المواجهات والاضطرابات الأشد، مع ضرورة مراعاة الفروق بين ولاية وأخرى، وبين المناطق داخل الولاية الواحدة.

والأمن مسؤولية مستمرة، تقتضي اليقظة والاستعداد، وعدم الاستهانة بأي تهديد، مع تجنب إثارة المخاوف أو نشر معلومات غير موثوقة.

التفلتات الفردية.. لا حصانة لمن يتجاوز القانون

س: شهدت بعض المناطق حوادث منسوبة إلى أفراد في التشكيلات العسكرية المساندة للقوات المسلحة، من بينها حادثة مقتل مواطنين مصريين في السوق المركزي، وأحداث سوق صابرين. كيف تنظرون إلى هذه الوقائع؟

اللواء الشامي:

إن التشكيلات العسكرية المساندة للقوات المسلحة تضم أفراداً يعملون في ظروف استثنائية، وقد تقع من بعض المنتسبين إليها تجاوزات أو حوادث فردية. وقد شهدنا وقائع مؤسفة، من بينها الحوادث المشار إليها، وهي أحداث لا يجوز التقليل من خطورتها أو التعامل معها باعتبارها أمراً عادياً.

لكن من الضروري التمييز بين التصرف الفردي وبين المؤسسة التي ينتمي إليها مرتكبه، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن الانتماء إلى أي تشكيل عسكري لا يمنح صاحبه حصانة من المساءلة.

إن التعامل مع هذه الحوادث يتم بحسم، وبالتنسيق مع القوات التي يتبع لها الأفراد المعنيون، وفق الإجراءات المختصة. والمطلوب هو التحقيق في كل واقعة، وتحديد المسؤوليات، واتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة متى ثبتت المخالفات.

فحماية المواطنين وممتلكاتهم واجب لا يتجزأ، وأي اعتداء على النفس أو المال يجب أن يخضع للمساءلة، بصرف النظر عن صفة مرتكبه أو الجهة التي ينتمي إليها.

س: ما الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى المواطن في ظل هذه الوقائع؟

اللواء الشامي:

الرسالة هي أن القانون يجب أن يظل المرجعية الأساسية في التعامل مع جميع المواطنين، وأن أي تجاوز لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للفوضى أو لتعميم الاتهامات على مؤسسات بأكملها.

كما أن المواطن من حقه أن يبلغ عن أي اعتداء أو مخالفة، وأن يطالب بالتحقيق والإنصاف، وعلى الجهات المختصة أن تتعامل مع البلاغات بجدية وشفافية، وأن توضح نتائج الإجراءات متى سمحت طبيعتها القانونية بذلك.

إن استعادة الثقة لا تتحقق بمجرد نفي الأخطاء، وإنما بمعالجتها، ومحاسبة المسؤولين عنها، ومنع تكرارها.

 

الرشوة داخل الجهاز الشرطي.. تحديات المعيشة والمحاسبة

س: لا تزال شكاوى المواطنين من الرشوة وبعض التصرفات غير المهنية تظهر من وقت إلى آخر. ما تفسيركم لهذه الظاهرة، وما الإجراءات المتبعة في مواجهتها؟

اللواء الشامي:

من المهم أن نقر بأن أي مؤسسة كبيرة قد تواجه سلوكيات فردية مخالفة للقانون أو للوائح المنظمة للعمل. والشرطة ليست استثناءً من ضرورة الرقابة والمحاسبة، ولذلك لا بد من التعامل مع كل شكوى بجدية، والتحقق من الوقائع، وعدم التسرع في إصدار الأحكام قبل اكتمال الإجراءات.

ومن التحديات التي نواجهها أن العمل العسكري والشرطي، ولا سيما بالنسبة إلى الجنود وضباط الصف، أصبح أقل جاذبية من بعض الوظائف الأخرى بسبب ضعف العائد المادي مقارنة بالمخاطر والضغوط التي يتحملها العاملون، وبالمقارنة مع بعض المهن الحرة البسيطة.

فالشرطي يعمل في ظروف قد تعرض حياته للخطر، ويتعامل مع الجريمة والطوارئ والمواطنين في أوضاع شديدة الصعوبة، ويتحمل ساعات عمل طويلة ومسؤوليات كبيرة. ومن ثم، فإن تحسين الأوضاع المعيشية للعاملين في الشرطة يمثل مسألة مهمة لاستقرار المؤسسة وتعزيز قدرتها على أداء واجباتها.

لكنني أؤكد أن ضعف المرتب أو صعوبة الظروف لا يبرران طلب الرشوة أو قبولها. فهذه ممارسات مرفوضة، ومن يثبت تورطه فيها يجب أن يخضع للمساءلة، وقد تصل العقوبة إلى الفصل من الخدمة وفق نتائج التحقيق والإجراءات المعمول بها.

س: هناك من يرى أن معالجة الرشوة تتطلب إصلاحاً مؤسسياً، وليس الاكتفاء بمعاقبة الأفراد. هل تتفقون مع ذلك؟

اللواء الشامي:

بالتأكيد، فالمعالجة الشاملة ينبغي أن تجمع بين الرقابة والمحاسبة وتحسين بيئة العمل. ولا يكفي أن نعاقب المخالف بعد وقوع التجاوز، بل ينبغي أن نعمل على تقليل العوامل التي تساعد على تكراره.

ومن ذلك تطوير نظم الرقابة الداخلية، وتيسير إجراءات تقديم البلاغات والشكاوى، وتعزيز الشفافية في التعامل مع الجمهور، وتحسين الأوضاع المعيشية للعاملين، والتدريب المستمر على السلوك المهني وأخلاقيات الوظيفة.

كما أن العلاقة بين الشرطي والمواطن يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل، وأن يدرك كل فرد أن السلطة الممنوحة له هي مسؤولية لخدمة المجتمع، وليست وسيلة لتحقيق منفعة شخصية.

س: أشرتم كذلك إلى وجود جهات تسعى إلى تشويه مؤسسات الدولة، ومنها الشرطة. كيف تميزون بين النقد المشروع ومحاولات التشويه؟

اللواء الشامي:

نحن نتابع ما ينشر عن أداء الشرطة، سواء كان إيجابياً أم سلبياً، ونتعامل مع المعلومات بحسب طبيعتها ومدى صحتها.

وقد تظهر في بعض الأحيان حملات تستهدف تشويه مؤسسات الدولة أو استغلال الأخطاء الفردية لتعميم الاتهامات. كما أشار سيادته إلى حالات لأشخاص ذوي صلة سابقة بالمؤسسة الشرطية، ومنهم شرطي سابق ومفصول على خلفية قضية رشوة يُشار إليها باسم «ود المصطفى»، في سياق ما يراه من محاولات للتأثير على صورة الشرطة.

ومع ذلك، فإن الحكم على أي واقعة يجب أن يستند إلى أدلة موثقة، ولا ينبغي أن يكون الانتماء السابق للمؤسسة أو الخلاف معها سبباً في تجاهل أي معلومة صحيحة يقدمها الشخص.

إن أفضل وسيلة لحماية سمعة الشرطة ليست منع النقد، بل تقديم المعلومات الدقيقة، والتحقيق في الشكاوى، وتصحيح الأخطاء، وإثبات الالتزام بالقانون عملياً.

الحراسات ومراكز الشرطة.. إصلاح التفاصيل التي تمس كرامة الإنسان

س: انتقلنا إلى قضية مهمة تتعلق بأوضاع الحراسات. تحدثتم عن ضعف التجهيزات رغم الجهود المبذولة لتحسينها. ما أبرز أوجه القصور؟

اللواء الشامي:

هناك جهود لتحسين أوضاع الحراسات، بما يشمل الإضاءة والتهوية ودورات المياه، لكن الواقع لا يزال يحتاج إلى مزيد من التطوير والتأهيل، خصوصاً في ظل الظروف التي مرت بها البلاد وما أصاب بعض المرافق من أضرار.

ومن المسائل التي تحتاج إلى معالجة مسألة توفير الطعام للمحتجزين. ففي بعض الحالات يعتمد المتهم على ما تحضره له أسرته، وهو وضع يستدعي إعادة النظر في آليات توفير الوجبات بصورة منظمة، تضمن حصول المحتجز على احتياجاته الأساسية، وتراعي في الوقت نفسه ظروف أفراد الشرطة المكلفين بالحراسة.

وأرى أن من الضروري إعادة النظر في نظام توفير الوجبات للمحتجزين ولأفراد الحراسة، بحيث تكون هناك آلية واضحة ومستدامة، بدلاً من ترك المسألة للظروف الفردية أو قدرة الأسرة على توفير الطعام.

س: ما أهمية هذه المسألة من الناحية الحقوقية والإدارية؟

اللواء الشامي:

إن توفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية للمحتجز ليس أمراً ثانوياً، بل يرتبط بكرامة الإنسان وبسلامة إجراءات الاحتجاز. كما أن توفير الظروف المناسبة لأفراد الحراسة يساعدهم على أداء واجباتهم بصورة أفضل.

ولا بد من التمييز بين الاحتجاز القانوني وبين أي معاملة قد تمس كرامة المحتجز أو تعرض صحته للخطر. فوجود الشخص في الحراسة لا يسقط حقوقه الأساسية، كما أن ظروف العمل الصعبة التي يواجهها أفراد الشرطة تستحق المعالجة المؤسسية.

والمطلوب هو توفير بيئة مناسبة للطرفين، عبر تحسين المرافق، وتنظيم الإعاشة، وضمان الرقابة على ظروف الاحتجاز، ومعالجة أوجه القصور وفق الإمكانات المتاحة وخطط التطوير.

الشرطي بين المركز والمحكمة.. ضغط العمل والحاجة إلى الدعم

س: أشرتم إلى استهلاك أفراد الشرطة في العمل داخل المراكز، من تسجيل البلاغات والتحري، ثم الانتقال إلى المحاكم للإدلاء بأقوالهم. كيف يؤثر ذلك في أداء الشرطة؟

اللواء الشامي:

إن العمل الشرطي يتضمن سلسلة من الإجراءات المتصلة، تبدأ بتلقي البلاغ، ثم تسجيله، وجمع المعلومات، والتحري، واستكمال المستندات، وقد تستمر لاحقاً إلى مرحلة حضور المحكمة والإدلاء بالأقوال.

وهذه المهام ضرورية لتحقيق العدالة، لكنها تستهلك وقتاً وجهداً كبيرين من أفراد الشرطة، خصوصاً عندما يكون عدد العاملين محدوداً مقارنة بحجم البلاغات والمسؤوليات المطلوبة.

فالشرطي الذي يغادر المركز لحضور جلسة بالمحكمة قد يترك وراءه مهاماً أخرى تحتاج إلى المتابعة، الأمر الذي يضاعف الضغط على زملائه ويؤثر في توزيع العمل.

س: ما المعالجة التي يمكن أن تخفف هذا العبء؟

اللواء الشامي:

المعالجة تتطلب النظر إلى تنظيم العمل داخل المراكز، وتوزيع المسؤوليات، وتوفير العدد الكافي من الكوادر، إلى جانب تطوير الإجراءات الإدارية والتقنية التي تساعد على إنجاز المعاملات بصورة أسرع وأكثر دقة.

كما أن التنسيق بين الشرطة والجهات العدلية يمكن أن يسهم في تقليل التعطيل غير الضروري، دون المساس بحقوق المتقاضين أو بمتطلبات التحقيق والمحاكمة.

والهدف هو أن يتمكن أفراد الشرطة من أداء واجباتهم بكفاءة، وأن يحصل المواطن على خدمة أسرع، وأن تسير الإجراءات القانونية في الوقت المناسب.

2600 شهيداً من الشرطة.. تضحيات تستوجب الوفاء والمسؤولية

س: تحدثتم عن خسائر الشرطة خلال الحرب. ما حجم التضحيات التي قدمتها المؤسسة في معركة الكرامة؟

اللواء الشامي:

بلغ عدد شهداء الشرطة في معركة الكرامة، حتى 26 أكتوبر 2026، نحو 2600 شهيداً من الضباط وضباط الصف والجنود، وفق الإفادة التي قدمتها.

وهذا الرقم يعكس حجم التضحيات التي قدمها منسوبو الشرطة خلال هذه الحرب، وما تحملوه من مخاطر في سبيل أداء واجباتهم.

إن الحديث عن الشهداء ليس مجرد استعراض للأرقام، بل تذكير بالمسؤولية تجاه أسرهم وزملائهم، وبضرورة الاهتمام بالمصابين والمتضررين، والعمل على توفير الرعاية اللازمة لأسر الذين فقدوا حياتهم أثناء أداء واجبهم.

كما أن هذه التضحيات تضع على المؤسسة مسؤولية مضاعفة في تطوير أدائها، والمحافظة على الانضباط، وتعزيز ثقة المواطنين بها، حتى تكون قادرة على مواجهة التحديات المقبلة.

س: كيف يمكن تحويل هذه التضحيات إلى دافع لإعادة بناء المؤسسة الشرطية؟

اللواء الشامي:

إن إعادة بناء الشرطة لا تقتصر على إعادة تشغيل المراكز أو استعادة الانتشار الميداني، وإنما تشمل تأهيل الأفراد، وتطوير المعدات، وتحسين ظروف العمل، وتعزيز التدريب، وتحديث وسائل الاتصال والعمل الجنائي.

كما أن الاهتمام بالعاملين وأسر الشهداء والمصابين يمثل جزءاً من الوفاء لهذه التضحيات. فالشرطة مؤسسة تعتمد في المقام الأول على العنصر البشري، وكلما كان الفرد مؤهلاً ومدعوماً وقادراً على أداء عمله، انعكس ذلك على مستوى الخدمة والأمن.

والمرحلة الحالية تحتاج إلى تكامل الجهود الرسمية والمجتمعية لإعادة بناء المؤسسات، مع وضع أولويات واضحة تستجيب للاحتياجات العاجلة وتؤسس لإصلاح مستدام.

 

الممتلكات المنهوبة.. نداء إلى المواطنين لاسترداد حقوقهم

س: من أكثر الملفات التي تشغل المواطنين ملف الممتلكات التي فقدوها خلال الحرب. ما الذي أنجزته الشرطة في هذا الجانب؟

اللواء الشامي:

بذلت الشرطة جهوداً في ضبط عدد كبير من الممتلكات المنهوبة، ولا سيما الأثاث والأجهزة والمعدات التي تعرضت للنهب من المنازل والمرافق المختلفة.

وتشمل المضبوطات التي أشرنا إليها أجهزة التلفزيون، والأواني المنزلية، والطابعات، والمعدات الطبية، ومبردات المياه، وغيرها من الممتلكات التي جرى ضبطها في مواقع متعددة.

ونناشد المواطنين الذين فقدوا ممتلكاتهم الإسراع إلى مراجعة مراكز تجميع المضبوطات، والتواصل مع الجهات المختصة، حتى يتمكنوا من التعرف على ممتلكاتهم واستكمال إجراءات استردادها وفق الضوابط القانونية.

ومن المواقع التي أشرنا إليها في هذا السياق:

– قاعة الماسة بشرق النيل.

– معرض الخرطوم الدولي.

– مواقع بمحلية كرري، تشمل المهدية والإسكان.

– مباحث الخرطوم.

– مباحث الأوسط.

ونؤكد أهمية تحري الدقة عند مراجعة هذه المواقع، والتواصل مع الجهات المسؤولة للتحقق من وجود الممتلكات المطلوبة، ومعرفة المستندات والإجراءات اللازمة لإثبات الملكية واستلام المضبوطات.

س: ما المطلوب من المواطن حتى يتمكن من استرداد ممتلكاته؟

اللواء الشامي:

المطلوب هو المبادرة إلى مراجعة المواقع المعنية، وتقديم ما يتوفر من مستندات أو بيانات تساعد في إثبات الملكية، مثل الفواتير أو الصور أو الأوصاف الدقيقة أو الأرقام التسلسلية للأجهزة، بحسب طبيعة الممتلكات.. ثم عمل إذن من النيابة للاستلام الفورى .

كما ينبغي تجنب الاعتماد على المعلومات غير الموثوقة أو دفع أي مبالغ لأشخاص يدعون قدرتهم على تسريع الإجراءات خارج القنوات الرسمية.

إن استرداد الممتلكات يحتاج إلى تعاون بين الشرطة والمواطنين، فكلما توفرت معلومات دقيقة عن المسروقات وأصحابها، أصبح من الأسهل استكمال الإجراءات القانونية وإعادة الحقوق إلى أصحابها.

س: هل يمكن القول إن هذا الملف يمثل اختباراً مهماً لعلاقة الشرطة بالمواطن؟

اللواء الشامي:

بالتأكيد، فالمواطن الذي فقد منزله أو ممتلكاته خلال الحرب ينتظر من مؤسسات الدولة أن تساعده على استعادة حقوقه، وأن توفر له المعلومات والإجراءات الواضحة.

ومسؤولية الشرطة لا تنتهي بضبط المسروقات، بل تشمل توثيقها، والتعامل معها وفق القانون، وتيسير تعرف أصحابها عليها، والعمل على إعادتها إليهم متى ثبتت الملكية واكتملت الإجراءات.

ونحن نحث المواطنين على عدم التأخر في مراجعة مواقع الضبط، لأن التعاون المباشر مع الجهات المختصة يساعد على تقليل فرص ضياع المعلومات أو تعقيد إجراءات الاسترداد.

19,650 عربة جرى تجميعها فى العاصمة عدد من المناطق .

س: السيارات من أكثر الممتلكات التي فقدها السودانيون خلال الحرب. ما حجم الجهود التي بذلتها الشرطة في هذا الملف؟

اللواء الشامي:

بلغ عدد السيارات التي جرى تجميعها في مواقع مخصصة بالخرطوم نحو 19,650 عربة، وفق الإفادة التي قدمتها. وهذا الملف كبير ومعقد، بالنظر إلى أعداد السيارات التي فقدها المواطنون، وتعدد المواقع التي عُثر فيها على المركبات، فضلاً عن التحديات المرتبطة بتحديد الملكية واستكمال الإجراءات.

كما توجد سيارات عُثر عليها في دول الجوار، ويجري العمل على استعادتها بالتعاون مع الإنتربول والجهات المختصة في الدول المعنية.

إن استعادة السيارات الموجودة خارج السودان تحتاج إلى تنسيق رسمي، والتحقق من بيانات المركبات وأرقام هياكلها، واستكمال الإجراءات القانونية المطلوبة، ثم ترتيب نقلها إلى البلاد.

س: ما أبرز العقبات التي تحول دون إعادة السيارات الموجودة خارج السودان؟

اللواء الشامي:

من أبرز التحديات ارتفاع تكاليف الشحن والترحيل، وهي تكاليف قد تكون كبيرة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بنقل أعداد من السيارات عبر الحدود لمسافات طويلة.

إلى جانب ذلك، توجد إجراءات فنية وقانونية لا بد من استكمالها، بما يشمل التحقق من بيانات المركبة، وإثبات ملكيتها، والتنسيق مع السلطات المختصة في الدولة التي عُثر عليها فيها.

وهذه المسائل تتطلب تعاوناً مستمراً بين الجهات السودانية والجهات النظيرة في الدول الأخرى، مع البحث عن وسائل عملية لتقليل تكاليف النقل وتسهيل عودة المركبات إلى أصحابها.

س: ما رسالتكم إلى المواطنين الذين لا يزالون يبحثون عن سياراتهم المفقودة؟

اللواء الشامي:

نحث كل مواطن فقد سيارته على متابعة الإجراءات الرسمية، وتقديم البيانات الدقيقة التي تساعد على التعرف عليها، وفي مقدمتها رقم الهيكل، ورقم اللوحة متى كان متاحاً، وبيانات الملكية، وأي صور أو مستندات ذات صلة.

كما ينبغي عدم الاعتماد على الإعلانات المتداولة وحدها، أو التعامل مع وسطاء غير موثوقين يدعون امتلاك معلومات مؤكدة عن السيارات المفقودة.

إن هذا الملف يحتاج إلى الصبر والمتابعة والتعاون، والشرطة تواصل جهودها في حدود الإجراءات والإمكانات المتاحة، بالتنسيق مع الجهات المحلية والدولية ذات الصلة.

بين استعادة الأمن وإصلاح المؤسسة.. ما الذي ينتظره المواطن؟

س: من خلال حديثكم، يبدو أن الشرطة تواجه مهمتين متوازيتين: استعادة الأمن من جهة، وإصلاح أوضاعها الداخلية من جهة أخرى. كيف يمكن الجمع بينهما؟

اللواء الشامي:

لا يمكن الفصل بين المهمتين. فاستعادة الأمن تحتاج إلى مؤسسة قوية ومنضبطة، والإصلاح الداخلي ينعكس مباشرة على جودة الأداء الميداني وعلى ثقة المواطن.

إن تحسين الأوضاع المعيشية للعاملين، وتطوير المرافق، وتوفير الاحتياجات الأساسية للحراسات، وتقليل الضغط على أفراد المراكز، كلها قضايا ترتبط بقدرة الشرطة على أداء واجباتها.

وفي المقابل، فإن تحسين الظروف لا بد أن يصاحبه الالتزام بالقانون، ومحاسبة المخالفين، وتعزيز الانضباط، والتعامل الجاد مع شكاوى المواطنين.

كما أن الإعلام يؤدي دوراً مهماً في توضيح ما تقوم به الشرطة، لكنه يظل بحاجة إلى معلومات دقيقة وإلى تواصل مستمر مع الجهات الميدانية، حتى لا تصبح المسافة واسعة بين ما يعيشه المواطن وما يسمعه من تصريحات.

س: ما الذي تحتاجه الشرطة من المجتمع والإعلام في المرحلة المقبلة؟

اللواء الشامي:

نحتاج إلى تعاون المواطنين في تقديم المعلومات والإبلاغ عن الجرائم، ومراجعة مراكز الشرطة عند فقدان الممتلكات أو العثور على المضبوطات، والابتعاد عن تداول الشائعات التي قد تضر بالأمن أو تعيق الإجراءات.

كما نحتاج إلى إعلام مهني ينقل المعلومات بدقة، ويطرح الأسئلة الصعبة، ويتابع الشكاوى، ويفصل بين الوقائع المثبتة والادعاءات التي لا تزال قيد التحقق.

وفي الوقت نفسه، من واجب الشرطة أن توفر المعلومات التي يمكن نشرها، وأن تتعامل مع النقد المسؤول باعتباره جزءاً من الرقابة المجتمعية، وأن توضح للرأي العام ما تستطيع توضيحه من إجراءات ونتائج.

إن العلاقة الصحية بين الشرطة والإعلام والمجتمع تقوم على الثقة، وهذه الثقة لا تُفرض، بل تُبنى من خلال العمل والشفافية والاستجابة للملاحظات.

كلمة أخيرة.. الحقيقة أساس الثقة

س: في ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى المواطن السوداني في هذه المرحلة؟

اللواء د. خواض الشامي عبدالرحيم:

نؤكد للمواطنين أن استعادة الأمن وحماية الأرواح والممتلكات تظل من أولويات العمل الشرطي، وأن الجهود مستمرة لمعالجة التحديات التي خلفتها الحرب، وضبط الجرائم، وملاحقة المتورطين فيها، والعمل على استرداد الممتلكات المنهوبة.

وندعو المواطنين إلى التعاون مع الشرطة، والإبلاغ عن الجرائم، ومراجعة مواقع تجميع المضبوطات، وتقديم المعلومات التي تساعد على استعادة الحقوق. كما نؤكد أهمية الالتزام بالقانون، وعدم الانسياق وراء الشائعات أو المعلومات غير الموثقة.

وفي الوقت نفسه، ندرك أن المرحلة تحتاج إلى المزيد من العمل والتطوير، وأن هناك قضايا تتطلب المعالجة، سواء في بيئة العمل الشرطي أو في تجهيزات المراكز والحراسات أو في تحسين الخدمات المقدمة للجمهور.

إننا نؤمن بأن الأمن مسؤولية مشتركة، وأن بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة يتطلب الصدق في عرض الحقائق، والجدية في معالجة الأخطاء، والاستمرار في أداء الواجب.

*خاتمة الحوار*

يكشف هذا الحوار عن صورة مركبة للمرحلة التي تمر بها الشرطة السودانية؛ فمن جهة، هناك جهود لاستعادة الأمن في العاصمة، وملاحقة الجرائم، وضبط الممتلكات المنهوبة، والتعاون مع الإنتربول لاسترداد السيارات الموجودة خارج البلاد. ومن جهة أخرى، تبرز تحديات تتعلق بضعف الموارد، وظروف عمل أفراد الشرطة، وتجهيزات الحراسات، والحاجة إلى تعزيز الرقابة والمحاسبة.

وتبقى الأرقام التي أوردها الناطق الرسمي، سواء المتعلقة بشهداء الشرطة أو بالسيارات التي جرى تجميعها، مؤشرات تستحق المتابعة والتوثيق، كما تظل الحاجة قائمة إلى نشر بيانات دورية توضح نتائج جهود الاسترداد، وتطور الوضع الأمني، والإجراءات المتخذة في مواجهة التجاوزات.

لقد اتسم اللقاء بالصراحة في تناول عدد من الملفات الحساسة، وبدا واضحاً أن استعادة ثقة المواطن لا تتحقق بالحديث عن الإنجازات وحدها، وإنما أيضاً بالاعتراف بالتحديات، وتقديم المعلومات القابلة للتحقق، والاستجابة للملاحظات والشكاوى.

وفي نهاية هذا اللقاء، نتقدم بالشكر إلى سعادة اللواء الدكتور خواض الشامي عبدالرحيم، مدير الإدارة العامة للإعلام والعلاقات العامة والناطق الرسمي باسم الشرطة السودانية، على سعة صدره، وإتاحة الفرصة لمناقشة هذه القضايا التي تمس حياة المواطنين وأمنهم وممتلكاتهم.