مستشار السيادي يقود الدبلوماسية السودانية بمرونة عالية لإحراج القرار الأمريكي
حجب تأشيرة البرهان يكشف حجم الابتزاز الأمريكي للخرطوم
واشنطن تصر على المساواة بين الجيش والمليشيا المتمردة
دبلوماسي سابق يدعو لتوسيع الخيارات والتنسيق مع القوى الشرقية
الالتفاف الشعبي حول الجيش يقطع الطريق أمام التسويات المسمومة
محلل سياسي يحذر من خطورة الإملاءات الغربية على البلاد
تقرير: رمضان محجوب
في ظل الظروف العصيبة التي يمر بها السودان والحرب المفروضة عليه، تخوض الدبلوماسية السودانية معركة جانبية لا تقل شراسة عن معارك الميدان، سعياً لإيصال صوت الدولة وتفكيك العزلة المفروضة عليها. وتواجه الخرطوم في هذا المسار مواقف دولية متصلبة تقودها واشنطن، التي تصر على تجاهل الوقائع الميدانية وتضحيات الشعب السوداني لمصلحة حساباتها السياسية الخاصة. وأمام هذا الانسداد الدبلوماسي، بات من الضروري التمسك بالسيادة الوطنية، والاعتماد على الذات والموقف الشعبي الصلب، والتأكيد على أن السلام العادل لا يتحقق بالمساومات الرخيصة، بل بالثبات على الثوابت الوطنية وحماية مؤسسات الدولة الرسمية.
▪️ صعود الدبلوماسية البديلة
وشهدت إدارة الملفات الخارجية الساخنة بالخرطوم تحولاً مفصلياً في مسار الحركة السياسية، إذ انتقل ثقل التعاطي الدبلوماسي من أروقة وزارة الخارجية إلى دائرة المستشارية بمجلس السيادة بقيادة الدكتور أمجد فريد الطيب. ولم يكن هذا التحول مجرد تدبير إداري عابر، بل فرضته ظروف الميدان المعقدة التي تتطلب تحركاً سريعاً ولغة حاسمة تفاوض مراكز القرار الغربية بوضوح وندية. وجاء هذا الخيار لتجاوز أزمنة البيروقراطية وإرسال رسائل تعكس رؤية القيادة في لحظة حاسمة، غير أن هذا المسار يظل رهن الاختبار في قدرته على تحقيق اختراق سياسي ينهي حالة الجمود دون المساس بأسس العمل المؤسسي.
▪️ مرونة التكتيك السياسي
وسعت الخرطوم عبر نافذة المستشارية إلى تقديم خطة عمل واقعية لإنهاء النزيف، تمثلت في حزمة مبادرات صاغها مكتب المستشار ووجهها لمكاتب صنع القرار الأمريكي والمنصات الدولية. ولم تتوقف التحركات عند حدود إبداء حسن النية، بل طرحت اشتراطات عملية لترتيبات وقف النار، ومراقبة تجميع القوات المتمردة، وإخلائها الفوري للأعيان المدنية ومنازل المواطنين. واتسم الموقف التكتيكي للخرطوم ببراغماتية واضحة تجمع بين الحفاظ على السيادة الوطنية والانفتاح على الحلول المنصفة، بهدف وضع واشنطن أمام التزاماتها الأخلاقية وتحديد موقفها من سلامة السودانيين وحمايتهم من بطش المليشيا.
▪️ جدار التعنت الأمريكي
في المقابل، قابلت واشنطن هذا الانفتاح الميداني والرسائل المباشرة بمواقف متصلبة تفتقر إلى النزاهة والموضوعية. إذ دأبت أروقة السياسة الأمريكية ومجلس الأمن الدولي على اعتماد مساواة مرفوضة بين القوات المسلحة السودانية بصفتها المؤسسة الدستورية التي تحمي الدولة، وبين المليشيا المتمردة التي استهدفت العزل والمدنيين. ويسعى هذا الموقف المتصلب إلى فرض واقع سياسي يخدم مصالح ضيقة، مع تجاهل تام للمقترحات التي قدمتها الخرطوم، مما زاد شقة الخلاف وعمق الاحتقان والتنصل الدولي من المسؤوليات الإنسانية تجاه أزمة طالت الملايين.
▪️ أزمة الاعتراف السياسي
وتكمن العقبة الكبرى في مسار التواصل بين الخرطوم وواشنطن في الامتناع الأمريكي عن التعاطي المباشر والواضح مع الحكومة السودانية بوصفها سلطة شرعية قائمة. واشنطن تدير هذا الملف بمنطق يتجاهل الشرعية المؤسسية، وهو ما أفقد قنوات التفاوض فاعليتها وحولها إلى نقاشات غير منتجة. وتأتي حادثة تعطيل وحجب تأشيرات الدخول للوفد الرسمي برئاسة رئيس مجلس السيادة للمشاركة في المحافل الدولية كدليل قاطع على الضغط السياسي الممنهج. ولا تعكس هذه الخطوات رغبة أمريكية في تحقيق السلام، بقدر ما تؤكد السعي لإضعاف موقف السودان الرسمي وإخضاعه لسياسة الابتزاز.
▪️ صراع المفاهيم الأساسية
يرى محلل سياسي في حديثه لصحيفة «العودة» أن جوهر الخلاف بين الخرطوم وواشنطن يعود إلى تباين أساسي في فهم السلام؛ فبينما تؤكد قيادة الدولة أن أي تسوية مرتقبة تبدأ بتفكيك السيطرة العسكرية للمليشيا وإنهاء حالة التمرد، تصر واشنطن على فرض تسويات متسرعة تساوي بين المؤسسة الرسمية والمسلحين. ويضيف المحلل السياسي أن الخرطوم تعتبر المقاربة الأمريكية محاولة لتجاوز انتهاكات المليشيا ومكافأة لها على التخريب، مشدداً على أن فرض هدنة خالية من الترتيبات الأمنية يمنح المتمردين فرصة لإعادة التجمع والتمدد، وهو ما ترفضه المؤسسة العسكرية والرأي العام السوداني كاملاً.
▪️ استحقاقات الموقف الوطني
ويرى المحلل السياسي أنه لا يمكن تحقيق سلام عادل يتجاوز إرادة الشعب السوداني وحقه في أمن أرضه ودولته، فالاستقرار الحقيقي لا يُبنى على التسويات الموقتة. ويفرض الواجب الوطني التمسك بشرعية الجيش والقوات النظامية كدرع أساسي لحماية الأرض والعرض. وإن أي محاولات لإضعاف هذه المبادئ تحت لافتات السلام الشكلي إنما تفتح الباب لتفكيك السودان وتقسيم مناطق نفوذه. ومن هنا، فإن تماسك الشارع السوداني والتفافه حول مؤسساته القومية يشكل الحصن الحقيقي أمام الضغوط الأجنبية، ويرسخ أولوية المعركة الوطنية التي لا تقبل المساومة.
▪️ فشل الضغوط الغربية
وأثبتت الوقائع الميدانية والسياسية أن أسلوب العقوبات والضغط الذي تنتهجه الإدارة الأمريكية لم يفلح في كسر الإرادة الوطنية لدى القيادة السودانية. فالشعب الذي يواجه ظروف الحرب والنزوح أظهر وعياً في التمييز بين حلفاء الوطن وخصومه، وأدرك أن الاستجابة للإملاءات الخارجية تسير بالبلاد نحو الهاوية. التحركات الغربية التي تحاول تجريد الدولة السودانية من حقها المشروع في حماية حدودها واجهت رفضاً شعبياً حاسماً؛ إذ بات مؤكداً أن القرار الوطني المستقل خط أحمر لا يقبل التنازل أو التبعية لأي جهة كانت.
▪️ البحث عن البدائل
أمام حالة الانسداد الدبلوماسي مع العواصم الغربية، يؤكد دبلوماسي سابق لصحيفة «العودة» أن الواقع الجيوسياسي يفرض على الخرطوم تنويع علاقاتها الدولية والبحث عن شراكات متوازنة تحفظ مصالحها العليا. ويرى الدبلوماسي السابق أن انفتاح السودان نحو القوى الإقليمية والدولية التي تحترم سيادة الدول وتعي أهمية ملف البحر الأحمر والأمن القومي يمثل مخرجاً عملياً من دائرة الضغوط. كما يوضح أن تعزيز التعاون الاقتصادي والعسكري مع الشركاء بالشرق يرفع من كفاءة الموقف الميداني، ويوجّه رسالة واضحة لواشنطن مفادها أن الخرطوم تملك خياراتها السيادية ولن تكون رهينة للأجندات الأحادية.
▪️ مسؤولية الإعلام الوطني
ويضيف الدبلوماسي السابق بالقول إن واجب الإعلام الوطني يتضاعف في هذه المرحلة التاريخية لكشف تفاصيل المعركة الدبلوماسية وتفكيك الخطاب الغربي المضلل للرأي العام. ويمثل إبراز الحقائق الميدانية ودحض السرديات التي تحاول المساس بالمؤسسة العسكرية أولوية تحريرية وأخلاقية. وتتحمل الصحافة الوطنية مسؤولية نقل صمود الشارع والتعريف بحجم الانتهاكات ومعاناة النازحين في ظل الصمت الدولي المريب. إن حماية الوعي الجمعي من الحملات الإعلامية الموجهة يعد حائط الصد المنيع الذي يساند الموقف الرسمي ويقطع الطريق أمام محاولات الابتزاز السياسي.
▪️ أفق المستقبل المأمول
عموماً.. تتجه قراءة مسارات الأزمة إلى حقيقة ثابتة مفادها أن مستقبل السودان لن تصنعه سوى إرادة أبنائه من خلال حوار وطني شامل يقدم مصلحة البلاد على ما سواها. فالتعنت الأمريكي مهما بلغت حدته لن يغير واقع أن الحق يعود لأصحابه وأن إرادة الشعوب لا تُكسر. وتقتضي المرحلة الراهنة رؤية تجمع بين الصلابة في الميدان والحكمة في التعاطي الدبلوماسي، لوصول البلاد إلى سلام مستدام يحفظ أمنها وسيادتها ودماء أبنائها، ويبسط الطريق لبدء مرحلة جديدة ترتكز على التعافي وإعادة البناء وسيادة حكم القانون.