عودة إلى الخرطوم .. ووفاء معاشي الشرطة

بقلم : كنده غبوش الإمام

قال تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) [الأحزاب: 23].

​وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) صدق رسول الله (ص).

​عدنا والعود أحمد إلى الخرطوم، وكانت أولى المبادرات لاستقبالنا من أهل كبيراب البطاحين بأم ضريوة (مقبرة الجنجويد)، برئاسة الشيخ الجليل رجل البر والإحسان الحاج عوض كبير، ثم مبادرة أهل منطقة الإحامدة شمال مقابر أم ضريوة، وهي الأخرى المنطقة التي واجهت ببسالة موجات قوات ميليشيات الجنجويد بقيادة اللواء ركن د. نديم قائد سلاح الأسلحة والذخيرة، والمقاومة الشعبية من أبناء المنطقة بقيادة الشيخ المجاهد أحمد سعد وآخرين. ثم كان استقبال هيئة علماء السودان لنا، فلهم الشكر والتقدير والاحترام.

​بالأمس، ومن غير موعد، خرجت من منزلنا في أم ضريوة (الكبيراب) الذي تأثر بالأمطار قبل يومين، وأنا أنوي الذهاب إلى بنك فيصل لصرف معاشي من قوات الشرطة، لشراء الأسمنت والرمل من أجل ترميم بعض أجزاء المنزل قبل أن ينهار. وأنا واقف في موقف المواصلات، توقفت بالقرب مني عربة مظللة، ورفع السائق الزجاج الأمامي وقال لي: “تفضل يا مولانا”.

​وبعد ما ركبت، سألني: “أنت ماشي وين؟”

قلت: “ماشي بنك فيصل في الخرطوم”.

فقال لي: “أنت تاجر؟”

قلت: “لا، أنا من معاشيي قوات الشرطة”.

قال: “كيف حالك سعادتك؟”

قلت له: “أنا من الرتب الأخرى، كنده غبوش الإمام”.

​الرجل وقف العربة وعانقني والدموع نازلة من خديه، وقلت له: “الحاصل شنو؟”

قال: “والدي رحمه الله كان صول بالمعاش، ودائما يذكر عنك، يقول إنك دافعت عن قضيتهم واعتقلوك مرات عديدة إلى أن تم حل اتحاد معاشي الشرطة بسبب كتاباتك”، وأعطاني كرت للتواصل. واتضح أنه لواء شرطة بالمعاش، وذلك عندما أوصلني على بوابة رئاسة شرطة ولاية الخرطوم وفيها فرع بنك فيصل.

​وفي حوش التدريب، سجلت اسمي (رقم 102)، وجلسنا تحت ظل الحائط في انتظار حضور مندوب البنك حتى يسمحوا لنا بالدخول واستلام استمارة الصرف. تأخر مندوب البنك وحضر الساعة العاشرة، ودخلنا وحدث هرج ومرج، وتم إلغاء كشف الحوش وطلبوا منا أن نقف في الصف. حجزت خلف أحد الشباب وجلست تحت الشجرة، والشرطة الأمنية قالت: “ممنوع الجلوس تحت الشجرة بأمر المدير”. وقال لي: “اجلس على حافة البرندة حتى يأتي دورك”.

​وأثناء ذلك، حضر حضرة صول من الشرطة الأمنية وسألني وقال لي: “منو أنت يا مولانا؟”

قلت له: “كنده غبوش الإمام”.

وعلى الفور اعتذر وقال لي: “معليش يا مولانا”، وأحضر الاستمارة وقال لواحد لابس ملكي واسمه بكري، وسلمه الاستمارة، وفي أقل من دقيقة جاب لي القسط الأول من المعاش (100 ألف جنيه)، على أن نعود غداً وكل يوم حتى تنتهي الأقساط. وركبوني عربة مع شخص لابس ملابس مدنية، ووصفني إلى موقف المواصلات العامة.

​ختاماً، هذه هي أخلاقيات الشرطة الحميدة والتعامل الراقي، ومن هنا نناشد السيد مدير قوات الشرطة، الفريق أول شرطة حقوقي أمير عبدالمنعم، وهو ابن الشرطه، بأن يسعى لدى محافظ بانک المركزى من أجل توجيه البنوك بأن يصرفوا لنا معاشاتنا كاملة وليس بالتقسيط.

​ونشكر زملائنا في رئاسة قوات شرطة ولاية الخرطوم بقيادة الفريق شرطة حقوقي سراج الدين منصور، الذين خصصوا لنا نافذة من بنك فيصل الإسلامي لنصرف معاشاتنا بداخل رئاسة شرطة الولاية، ونشرب الماء البارد على مدار الساعة في جو حار يحرق الوجوه المرهقة. الغريب في هذه المشاهد أنني عشت 3 سنوات في بربر الاثنين في مربع 17 بجوار منزل أسره الفريق سراج الدين، وأعرف كل أهل مربع 17 في بربر، وإن الله سوف يلتقي به لمناقشة بعض الخدمات التي تعاني منها المنطقة.

​والشكر موصول إلى مدير إدارة التوجيه والخدمات بقوات الشرطة، الفريق شرطة عبدالفتاح، وخاصة عندما كان يقدم الخدمات الإنسانية لكل منسوبي قوات الشرطة بدون فرز بمقر الإدارة المؤقت في عطبرة أثناء سنوات الحرب دون منّ ولا أذى. وكذلك لوزير الداخلية السابق الفريق شرطة الخبير الاستراتيجي خليل باشا سارين، الذي أنقذ قوات الشرطة من الانهيار، ولا ينكر ذلك إلا مكابر، وشهادتنا فيه غير مجروحة وكل الناس يعلمون ذلك.

​قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ) صدق رسول الله (ص).

​اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد، وكفى بالله شهيداً، والله من وراء القصد.