د.ابراهيم الصديق علي يكتب: البرهان وضياع الفرص الثمينة: أول خرق لمباديء الحوار السوداني (1-3)

 

(1)

في لقاءاته الأولي – التي ابتدرها مع الفاعلين السياسيين – حرص الفريق اول عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة على الإشارة إلى أن الحوار السوداني (لا يستثني احداً) ، بل ظل يكررها ويشدد عليها ، ولكن لقاءاته اللاحقة منتصف الاسبوع الماضي وبدايات هذا الاسبوع مع قوى اجتماعية ومدنية وردت أكثر من مرة جملة عن الاستثناء للمؤتمر الوطني ، وهذا موقف معيب سياسياً وخرق لمباديء الحوار السوداني من عدة نواح ، أما كونه معيب فهو :

– الربط بين المرتمر الوطني والدعم السريع ، فهذا خلط مريع بين قوة عسكرية متمردة وبين حزب سياسي ناشط وفعال ، وهو ربط بين تيار وطني وبين قوة متمردة وخارجة على سلطة الدولة والقانون وناهيك عن جرائمها وانتهاكاتها..

– وهو تبني واستجابة لذات ادعاءات وسرديات مليشيا آل دقلو الارهابية في موقفها السياسي ضد المؤتمر الوطني ، ومن العجيب أن يؤسس الرئيس (وهو مرجو منه أن يكون بطل معركة الكرامة) مواقفه على خطاب خصومه ، وان يحاكم تيار وطني سوداني بما (يتقوله) ويدعيه العدو..

– وهو قول معيب لأن معركة الكرامة كانت (محاصة فرز) للمواقف الوطنية ، من يقف مع وطنه واهله ويدافع عنهم بالنفس والمال والقول ، وبين من يسعى إلى تدمير البلاد والعباد والتحريض على وطنه واهله وشعبه ، فهل يسمح بالحوار للخائن ويمنع عنها الوطني الباذل روحه وما يملك للوطن..؟

– وهو قول معيب لانه خلط بين حوار سوداني مفتوح بين القوى السياسية والمجتمعية وهذا مسار سياسي ، وبين مسار (أمني) اقرته اتفاقية جدة 2023م ، وهو موقف تفاوضي معلوم..

هذا جانب من غياب الموضوعية في هذا الموقف..

(2)

وفي جانب آخر فإن هذا الموقف الجديد يعتبر نسفاً كلياً لمبدأ الحوار السوداني من عدة جوانب..

– وأول ذلك هو تدخل رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة في تحديد المشاركين ووضع (فيتو) على تيار وطني عريض وصاحب سهم ايجابي في أمر البلاد ومصالح العباد ، وهذا نسف لمبدأ السعى الجامع لوحدة الصف وبناء اجماع وطني..

وثانيها: أنه نسف لمبدأ (لا يستثني احداً) وهذه العبارة مقصود بها التيار الوطني دون غيره ، فلا أحد آخر محظور سواء المؤتمر الوطني ، بل تلك المجموعات الناعقة ضد الوطن وجيشه وقيادته مدعوة للحوار ومرحب بها إلا (المؤتمر الوطني) ، إذن ما هو الجديد في حقل المحاصصة هذا ؟..

وثالثاً هو اسقاط لمبدأ اصحاب الوجعة ، وهم في رأي كل مواطن سوداني عانى من جرائم وانتهاكات مليشيا آل دقلو الارهابية ، وحاضنتهم السياسية وداعميهم ، وبالتالي فإن حرمان من يمثلهم هو حرمانهم بالضرورة من حقهم في المشاركة بالراي والمشورة على طريق التعافي الوطني..

فلماذا حرص الرئيس البرهان على تضييع فرصة ثمينة في لحظة فاصلة ؟

(3)

للإجابة على هذا السؤال نحن بحاجة للتبرير والتعليل من صاحب الرأي ، أو مستشارية ، أو بناء منظور وفق ما يردده بعض (الحوامة) حوله من النشطاء السياسيين أو افتراض قراءات وفق المتاح سياسياً وهذا ما نحاوله:

– وأول الافتراضات: أن هناك تحفظات اجنبية من قوى دولية واقليمية ، وللحقيقة فإن بعض التسريبات اشارت إلى هذا الجانب في حديث البرهان خلال لقاء 40 أو اقل من قيادات الادارة الاهلية يوم السبت الماضي ، فهل أصبح القرار الوطني رهن اشتراطات خارجية ؟ أو هواجس من ردة فعل اجنبية ؟..

– ألم يقل البرهان في خطابات جهيرة وحتى في لقاءات القوى السياسية والتحالفات أنه (يرفض أي إملاءات خارجية) بل يضعها في الدرج..

وهناك جانب آخر عن قوي دولية لم تتحدث ولكنها ترقب المشهد ، سنعود لها بالتفاصيل – بإذن الله – من جانب آخر..

– وثاني الافتراضات أن الحوار في حد ذاته مقصود به مهمة تمهيد انتقال سياسي (مسيطر عليه) وليس تحقيق اجماع وطني ، ولهذا جاء مبدأ العزل السياسي هذا ، لتمهيد الطريق لعبور آمن ، ولا شك أن هذه الفرضية الأكثر ترجيحاً عندي ، مع أن مبدأ الحوار قائم على مبدأ (عدم توظيفه لموقف سياسي) ، ومع ذلك فإن من الواضح أن البرهان وفريقه لم يطلعوا بوضوح على بعض المتاح من أجندة المستقبل التي طرحها المؤتمر الوطني منذ أكثر من عام وقد وفرت ارضية أكثر وضوحاً

وقد قدمت توصيفاً جديداً للعلاقات السياسية العسكرية بالسودان مفاده ان (الضرورة الوطنية خلال الفترة الانتقالية ومايليها وبالنظر الي حجم التهديد للأمن القومي السوداني والتربص بالبلاد ان تكون القوات المسلحة جزءاً أصيلاً من مكونات إدارة البلاد وبتفويض شعبي قائم علي تحكيم الإرادة الشعبية بالاستفتاء وهو الرأي الأكثر وضوحا في الساحة السياسية السودانية .

.. وهذا دلالة على عدم اعتراض المؤتمر الوطني على استمراره ووجوده ، بل الحزب غير راغب بالكلية الدخول في جدل وتجاذبات هذه الفترة إلا بالقدر الذي يوفر وحدة الصف واستقرار الوضع..

– وثالث الافتراضات: ربما البعض ممن حول البرهان اراد إعادة بناء حاضنة سياسية جديدة من خلاصة الحوار السوداني وجعل أساس لحمتها (قحت وتفاعلاتها من تقدم وصمود) ، وهذا صيد فاسد في ماء نقي لا يقبل المجازفات السطحية ، فهذه القوى – اي قحت وصمود- بعيدة عن الوجدان الشعبي مخلوقوبعيدة عن الأجندة الوطنية وهى حتى هذه اللحظة تنادي بحظر السلاح والعتاد على الجيش السوداني وحظر الطيران ، فهل رضي البرهان من كل حصاد ورهانات معركة الكرامة بهذا الغثاء.. ؟

(3)

في لقائه الاخير مع الدراميين والرياضيين ، قال الفريق اول البرهان الرأي وضده في آن واحد ، فقد قال:

– إن عملية الحوار تشمل كل شركاء معركة الكرامة ، دون استثناء ، بل هذه العبارة قالها قبل مخدرات عامين في إطار معالجته لتداعيات حديثه بخصوص ذات الواقعة في فندق ببورتسودان خلال ختام مؤتمر سياسي..

– وفي ذات اللقاء قال إن (المؤتمر الوطني مستثنى من الحوار السوداني)..

– فهل الوطني كان ضمن نفير أهل السودان الاوفياء في معركة الكرامة ام خارجها ؟..

– فإن كان ضمنها لماذا يبعد بقرار من قائد الجيش ، وإن لم يكن ضمن معركة الكرامة فلماذا لا يسعه ما يسع بقايا قحت وصمود الذين يسعى اليهم الفريق اول البرهان ؟..

– أن القضية الحوار السوداني السوداني مرحلة للتعافي الوطني والعبور إلى مرحلة التوافق على الكليات الوطنية ، فمن الأفضل الذهاب اليها دون اثقال سياسية واجندة مواربة..

– حفظ الله البلاد والعباد..

ولنا عودة بإذن الله..