أضبط… دون تاريخ إنتاج أو إنتهاء..  ” شاي ولبن” مجفف يغزوان الأسواق .. هل أصبحت صحة المواطن في خطر ! 

 

عرض  تحت أشعة الشمس الحارقة… وبيع في” الدرداقات” من المسؤول؟

خبراء أغذية: اللبن منتهي الصلاحية يحدث  تلوث ميكروبيولوجي وتعرض الشاي للأتربة يلحق اضراراً بالجهاز التنفسي

هيئة المواصفات والمقاييس تطلق نداءً تحذيرياً للموردين واصحاب المصانع

حملات مستمرة لمباحث التموين وانجاز كبير في الضبطيات

خبير إقتصادي: نحن أمام وضع مختل يحتاج تدخل عاجل وهناك منافسة غير مشروعة

قانونيون: العقوبات رادعة وتصل الغرامة والحبس

دعوة لمراقبة نقاط التفتيش في الطرق السريعة والمكاتب المتخصصة في نقل البضائع

داعية إسلامي:  السكوت عن السلع الفاسدة أو التلاعب في الأوزان والمعايير يلحق الضرر بالجميع

كتب: بهاء الدين أحمد السيد

شهدت الاسواق في الاسابيع الماضية  تدفق كميات كبيرة من” لبن البدرة المجفف” و”الشاي” وهذا بدوره يباع في آنية تعاني من الصدأ في العراء، تتخلله العديد من الشوائب وصلت لدرجة وجود حشرات نافقة ومخلفات للحيوان.

ليس فيه تاريخ للمنتج، ولا مدة إنتهاء، أو تحديد لدولة المنشأ، أو علامة تجارية لمصنع ،  وبالتالي يُجهل طرق تخزينه.

مما دفعني للإستقصاء وطرح العديد من الأسئلة في مقدمتها من المسؤول من مراقبة ذلك.

هذا الوضع المائل  لايحدث حتي في أسواق “الصومال” أو”بوركينا فاسو ” يحدث في العاصمة الخرطوم حيث  تعبأ هاتين السلعتين في أكياس شفافة تحت هجير الشمس لاحد يعلم  مدي صلاحيتها للإستخدام الأدمي، وأخرون يبيعونها في المواقف العامة للمواصلات عبر حملها في (درداقات)  والأخطر من ذلك تُباع في محلات ثابتة في بعض  متأجر  الإجمالي معبأة في أكياس كبيرة وصولاً الي مرحلة العرض في (طشاتة الغسيل الحديدية) .

يحدث ذلك أمام الجميع  في مخالفة صريحة لقانون الأغذية والصحة العامة وقانون المواصفات والمقاييس!!!.

هذا الوضع الذي أصبح آخذاً في الاتساع  في فترة اندلاع الحرب بسبب غياب الأجهزة الرقابية وجشع بعض الموردين طال أذاه الكثيرون في ظل تزايد حالات الاتهاب المعوي،ومرض السرطان.

لكن بعد عودة الأمور الي نصابها ومباشرة النيابة المتخصصة لمهامها فضلاً عن مباحث التموين، والهيئة العامة للمواصفات والمقاييس، بدأت هناك جهود حثيثة لاستئصال هذا السرطان الممتد في العاصمة الخرطوم والولايات، بدأت بالفعل حملات نوعية أسفرت عن ضبطيات مهمة خصوصاً علي صعيد السلعتين التي تم ذكرهما.

بخلفية إستقصائية حاولتُ جاهداً أن أتعرف عن طرق دخول هذه المنتجات وطبيعة الإجراءات المتبعة من واقع الإغراق الكبير  الحادث الآن في الأسواق واللافت للإنتباه.

وتسألتُ عندها أين الشركات الوطنية المعروفة حاملة العلامة التجارية والتي ألفها الشعب السوداني لسنوات ليست بالقصيرة، لكنني بعدها تأكدت يقيناً بأنها قد باشرت عملها بقوة وأن منتجاتها متوفرة في الاسواق بعلامتها  التجارية  وجودتها وصحة سلامتها، وأنها تقوم بالتعبئة وفقاً لضوابط الهيئة العامة للمواصفات والمقاييس والتي تحدد  حتي سعة الأوزان.

لكن بالمقابل تسألتُ أيضاً من هو الابُ الشرعي لمنتجي اللبن المجفف والشاي مجهول الهوية في الأسواق.

وبعد الاستقصاء علمتُ ان هذه المنتجات تدخل بطرق صحيحة  بإسم بعض الموردين بهدف إعادة تعبئتها في الداخل بعد استيرادها، وبالتالي لاإشكال في دخولها طبقاً للمستندات الرسمية  ويبقي السؤال هل التزموا بالفعل، هذا ما لم يحدث؟؟.

ومايحدث هو بيعها مباشرة في الاسواق لتباع بالكيفية التي نشاهدها الان  متجاوزين تعهداتهم السابقة والاشتراطات المحددة  في تعبئتها طبقاً لما نص عليه قانون المواصفات والمقاييس، من أجل الكسب السريع.

 

منافسة غير مشروعة!

وبحديثي مع أحد الخبراء الاقتصاديين لفهم تعمد أصحاب هذه السلع (اللبن والشاي)،(الكيري) مجهولي الهوية من تعبئتها لحفظها وسلامة صلاحيتها وتفضيلهم بيعها مباشرة للمستهلك أشار مصدري الي أنهم  يتجاوزون القانون و تكلفة التعبئة معاً .

ونوه الي أن المصانع التي تقوم بالتعبئة هي شركات كبيرة تحافظ علي سمعتها في السوق وتحترم قاعدة مستهلكيها وتدفع الان  تكلفة عاليةٍ في مقدمتها أجور  العاملين والتي تعمل  (بنظام الورديات) حيث تتحمل أيضاً ترحيلهم،  بالاضافة لتشغيلها لخط الإنتاج والذي يعتبر  ذو تكلفة عاليةٍ في ظل الظروف الماثلة الان في  وضع الكهرباء، كما تتحمل هذه الشركات الكبيرة حالياً  طباعة التغليف والكرتون، وشراء الوقود اليومي لتزويد أسطولها الخاص بالتوزيع علي مستوي المركز والولايات.

وقال نحن أمام وضع مُختل يحتاج التي تدخل عاجل فمن  بين من  يستوردون يلتزم بالضوابط ويدفعُ تكلفة عالية في التعبئة وصولاً لمنتج آمن، وبعض اخر يضرب بكافة القوانين والضوابط عرض الحائط من أجل تحقيق أكبر قدر من الارباح.

وأكد بأن هذا الوضع لايحقق مايمسي بعدالة السوق ويجعل المنافسة غير “مشروعة”  ويؤدي الي عواقب وخيمة حتي في صحة الانسان،من خلال  عدم الالتزام بالشروط المنظمة للتعبئة والتخزين السليم للمنتج لاسيما علي  هاتين   السلعتين حيث  يتم شراؤهما بشكل يومي.

واضاف كيف يتساوي في السوق من يدفع فاتورة انتاج عالية ويلتزم بكافة الضوابط والموجهات واخرين يقومون بالبيع المباشر غير الآمن، ونوه الي ضرورة ان تضرب الاجهزة العدلية والمختصة بيدٍ من حديد لازالة هذا الوضع المشوه علي حد تعبيره.

وتابع بقوله: لاسيما وان الدولة  ممثلة في وزارة الصناعة تنادي بعودة القطاع الصناعي وتشجعه للنهوض مرة أخري رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدها في بنيته التحتية اثناء الحرب والتي تقدر بملايين الدولارات.

ودق الخبير الاقتصادي ناقوس الخطر بتأثيرات مايمسي غياب عدالة السوق علي خلفية مااثرناه علي مستوي سلعتي اللبن المجفف والشاي في ان تتجه هذه الشركات الكبيرة في حال نشطت الاجسام الطفيلية في السوق الي اسواق  بديلة في كل من اثيوبيا وجنوب السودان وارتريا، وبالتالي تفقد الدولة ايرادات كبيرة  ومهمة في الاقتصاد الكلي كانت تتحصلها من القطاع الصناعي.

وقال لايستقيم عقلاً أن تترك حركة السوق لمن يخالف الضوابط بل وينافس من يتحمل تكلفة الانتاج رغم إرتفاعها.

 

عقوبات رادعة ولكن!

 

وبحسب حديثي مع عدد من القانونيين أجمعوا أن قانون المواصفات والمقاييس للعام 2008م يُعد رادعاً مستعرضين المادة(31)  في نص (المخالفات والعقوبات) حيث تشير هذه المادة بالغرامة التي تحددها المحكمة او بالحبس لمدة لاتقل عن ثلاثة أشهر أو بالعقوبتين معاً كلٌ من يرتكب أي من الأعمال الأتية:-

(أ) طرح أو عرض مواد غير مطابقة للمواصفات القياسية أو القواعد الفنية في الأسواق أو المحلات التجارية.

(ب) التلاعب بالمعلومات الواردة علي بطاقة البيان والقيام بطباعة عبوات او بطاقات بيان مقلدة أو مزورة.

(ج) تدوين أي عبارة علي بطاقة البيان توحي بأنها مطابقة للمواصفات القياسية أو القواعد الفنية دون الحصول علي موافقة كتابية من الهيئة أو الجهة ذات الصلة.

(د) خداع المستهلك أو غشه من خلال الاعلان المضلل عن المنتجات أو المواد التي ينتجها أو يستوردها بغرض البيع.

_  في تقديري رغم وضوح العقوبات تظل العبرة بالنتائج وهي انفاذ القانون.

 

خطر محدق بحياة الانسان!

 

وبحديثي مع بعض الخبراء  في مجال الاغذية أشاروا الي خطورة إستخدام ” اللبن المجفف “المنتهي لصلاحيته حيثُ يمثل  خطراً مباشراً وجسيماً على صحة المستهلكين، خاصة عند استخدامه كبديل للحليب الطازج في التصنيع الغذائي أو استهلاكه المباشر.

وان من مخاطره الصحية الفورية انه قد يحتوي على تلوث ميكروبيولوجي ناتج عن سوء التعبئة أو التخزين، مما يؤدي إلى تسمم غذائي، وإسهال، وقيء، وآلام معوية.

بالاضافة الي مشاكل القلب والشرايين من واقع احتواء الحليب المجفف الرديء على “كوليسترول متأكسد”   وهو عامل مساعد قوي في انسداد الشرايين وأمراض القلب..

كما أشار الخبراء الي أن الشاي (المعروض في الهواء الطلق دون تغليف)  عُرضة لتراكم الأتربة الدقيقة، وقد يحمل بقايا مبيدات حشرية أو جراثيم مما يسبب تهيجاً أو حساسية للجهاز التنفسي، كما ان الشاي نفسه يفقد خواص نكهته وطعمه.

 

صوت إشادة بمباحث التموين!

من الصور المشرقة التي تستحق الاشادة ماتقوم به مباحث التموين وحماية  المستهلك من دور مجتمعي متعاظم في حماية صحة المواطن ومن واقع رصدي ومتابعتي فقد قامت بتنظيم حملات كبيرة في الأسواق وقد وضعت يدها علي عدد من الضبطيات الكبيرة  .

 

المواصفات والمقاييس تعود بقوة

 

من خلال متابعتي لهذا الملف تابعت أيضاً في الايام الماضية قيام هيئة  المواصفات والمقاييس بحملات نوعية وكبيرة علي مستوي المركز والولايات اسفرت عن ضبطيات  لسلع منتهية الصلاحية وهو مايبشر بيقظتها في تصحيح المسار الذي اشرنا اليه مسبقاً.

ولان الملف الذي نتاوله الان أصبح حديث الساعة وقضية رأي عام من واقع أهميته وإنعكاسه علي صحة المواطن السوداني ولاينكره الا من فيه عينيه رمدٌ.

أصدرت هيئة المواصفات والمقاييس إعلاناً تحذيرياً اليومين الماضيين  لكافة الموردين وأصحاب المصانع   هذا نصه:

وزارة شؤون مجلس الوزراء

الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس

إعلان تحذيري رقم (15) لسنة 2026م

تعلن الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس لكافة الموردين وأصحاب المصانع الذين تم منحهم إذن استيراد لرسائل (عبوات كبيرة) من لبن البودرة (المجفف) والشاي، سواء كان ذلك كمدخل لعملية إنتاجية أو بغرض إعادة التعبئة في عبوات صغيرة وفق المواصفات المعتمدة، بضرورة الالتزام التام والقطعي بالتعهد القانوني الذي بموجبه تمت تكملة كافة الإجراءات والضوابط الصادرة بهذا الشأن.

وتحذر الهيئة بأشد العبارات أي جهة تخالف هذا التعهد وتقوم بطرح هذه المنتجات بعبواتها الكبيرة في الأسواق مباشرة، تعتبر مخالفة صريحة وخطيرة للضوابط والاشتراطات الفنية والقانونية المشار إليها، مما يترتب عليه اتخاذ كافة الإجراءات القانونية الرادعة فوراً في مواجهة المخالفين، ويعتبر هذا الإعلان بمثابة إنذار نهائي وتنبيه قانوني واجب النفاذ.

كما تناشد الهيئة جمهور المستهلكين الكرام بضرورة اليقظة والتبليغ الفوري عن أي مخالفات من هذا النوع أو أي تجاوزات أخرى تمس سلامة وجودة السلع عبر الرقم الموحد (5960)، وذلك إعلاءً لقيم الحماية الوطنية وضماناً لسلامة الجميع.

 

المنابر تتحدث!

 

لم يعد هذا الملف قضية عابرة فقد تحدثت المنابر فيه حديثاً مستفيضاً حيث  أكد الداعية الإسلامي الشيخ محمد علي الفاضلابي، إمام مسجد الوالدين بالواحة شرق أم درمان “مربع 7″، على الدور المحوري الذي يلعبه المستهلك في رقابة الأسواق وحماية المجتمع من الممارسات الضارة، مشيراً إلى أن التفاعل مع شكاوى المواطنين يمثل خط الدفاع الأول عن صحة وسلامة الإنسان. وأثنى الشيخ الفاضلابي على الجهود المقدرة التي تبذلها الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس  واللجنة القومية لشوون المستهلكين في ضبط الجودة وملاحقة السلع المخالفة، مثمناً تفاني كوادرها في توفير بيئة استهلاكية آمنة، وهو ما يستوجب من الجميع التعاون الكامل معها لإرساء قيم الانضباط في التعاملات التجارية.

وحث الفاضلابي كافة أفراد المجتمع على ضرورة المبادرة والتبليغ الفوري عن أي مخالفات يتم رصدها في الأسواق عبر الرقم المختصر (5960)، مشدداً على أن السكوت عن السلع الفاسدة أو التلاعب في الأوزان والمعايير يلحق الضرر بالجميع.

 

خاتمة:  من واقع متابعتي  بدأت النيابة المتخصصة مباشرة مهامها وهي تمثل رأس الرمح في مكافحة السلع الفاسدة، لاسيما التي تحدثت عنها في هذه المساحة وانطلقت بالفعل في مباشرة عملها، كما نشطت مباحث التموين وحماية المستهلك وهيئة المواصفات والمقاييس في تنظيم حملات راتبة تستهدف بها الاسواق.

كافة جهات الاختصاص مطالبة بمضاعفة جهودها بحيث يتركز عملها الميداني بصورة راتبة ليشمل حتي مخازن أصحاب التصاديق الخاصة بالعبوات الكبيرة ، بجانب نقاط التفتيش في الطرق السريعة للحد من ترحيلها للولايات، بالاضافة لمكاتب الترحيلات المتخصصة في مجال نقل البضائع والطرود، وان يستمر هذا العمل دون انقطاع اسُوة بما يتم في كثير من البلدان حماية للمواطن وصحته العامة، لا أن تكون هذه الحملات موسمية ومنقطعة.

و”إن الله ليزعُ بالسلطان مالا يزعُ بالقرآن” ولابد من الضرب بيد من حديد وأن تكون العقوبات رادعة لان من أمن العقوبة اساء الادب.

ويبقي التعويل علي وعي المواطن في أن لايقوم بشراء السم لافواه ابنائه  بيده.

ونواصل….