الممشى العريض .. خالد أبو شيبة يكتب : “أطوار الكون” عملاق الإنشاءات الذي يمضي بمجده العالي إلى الأعلى

خرجنا من السودان لا رغبة بل اضطراراً، دفعتنا حرب قاسية اقتلعتنا من تفاصيل حياتنا، وخلفت خلفها مدناً مُنهكة، وبيوتاً صامتة، وقلوباً مثقلة بالقلق، وجراحٱ يصعب أن تندمل، ومشاهد قاسية يصعب نسيانها..انطفأت الطرق التي كنا نعرفها، وتلبّد الأفق بأسئلة بلا إجابات إلى أين نمضي؟ وكيف نؤمّن لأطفالنا مدارسهم، ولقمة عيشهم، وسقفاً يقيهم قسوة الأيام، كيف نطرد من دواخلهم حالة الرعب، وكيف ننقذ أحلامهم حين ينعسون؟

ورغم يقيننا الراسخ بأن ما يصيبنا هو قدر كتبه الله، إلا أن الهواجس كانت أشد حضوراً من الطمأنينة أحياناً. في خضم ذلك التيه، جاءني نداء أخي الأكبر، الباشمهندس نور الدين، المقيم بالمملكة العربية السعودية، أقصى الجنوب على تخوم مرتفعات عسير، كنافذة نور في جدار من العتمة. حملت حقائبي، وتوكلت على الله، ومضيت وأنا أتوكأ على عصا الأمل… على فكرة أن هذه الدنيا مهما ضاقت فيها متسعاً للنجاة.

لم تكن المملكة العربية السعودية بالنسبة لنا مجرد محطة عمل، بل كانت ولا تزال ملاذٱ آمنٱ وحضناً دافئاً، احتضن السودانيين كما احتضن غيرهم من أبناء الأمة، بكرم وإنسانيةٍ تُحسب لقيادتها وشعبها الممتلي مروءة ومحبة للناس،هناك بدأت فصلاً جديداً من الحكاية.

بتوصية من أخي، التحقت بشركة “أطوار الكون” عملاق الإنشاءات الحاضر بكل مدن المملكة، يرسم معالم الحضارة في الأمكنة كما الفنان الذي يمسك بالريشة ليهب الناس الروعة والدهشة، أطوار الكون ذلك الاسم الذي لم يكن مجرد مؤسسة إنشائية، بل تجربة إنسانية ومهنية متكاملة. في عالم يفاس فيه النجاح بالأرقام، وجدت نموذجاً يُقاس فيه النجاح أيضاً بالأثر… بالأثر الذي يتركه القائد في نفوس من يعملون معه.

مدير المشاريع بالشركة الباشمهندس خلدون عبد الباسط ، ليس مجرد مهندس ناجح، بل حالة فريدة تستحق التأمل. رجل جمع بين شخصية قوية، وذكاء حاد، وبصيرةٍ إدارية نادرة، وقدرة مدهشة على إدارة أكثر الملفات تعقيداً الإنسان ففي قطاع الإنشاءات وهو من أصعب القطاعات وأكثرها تحدياً لا يكفي أن تملك رأس المال أو الخبرة الفنية، بل تحتاج إلى ما هو أعمق تحتاج القدرة على توحيد الجهود، وبث الروح في فرق العمل، وصناعة الانسجام وسط تنوعٍ كبير من الثقافات والمهارات.

ما شدّ انتباهي لم يكن حجم المشاريع ولا اتساعها، بل تلك الروح التي تسري في المكان؛ روح الانتماء، والانضباط، والعمل كجسد واحد. مئات الأيدي تعمل، لكن بعقلٍ واحد ورؤيةٍ واحدة، بمنتهى الجدية، منتهى الانضباط، ومنتهى المسؤولية، هنا أدركت أن الإدارة ليست أوامر تُعطى، بل قدوة تحتذى، ويبقى السؤال كيف إستطاع المهندس خلدون إدارة المورد البشري بكل تلك العبقرية؟ في الإجابة بكل تأكيد تفسير لأسرار وأسباب النجاح.

تجربتي داخل هذه المؤسسة رغم ما فيها من مصاعب، ومحطات قاسية، وهذا أمر طبيعي، لم تكن مجرد وظيفة بل كانت درساً مفتوحاً في معنى السعي، وفي كيفية صناعة النجاح من العدم، وفي أن الإنسان قادر بالإرادة والإيمان أن يعيد تشكيل حياته مهما كانت نقطة البداية صعيبة وقاسية.

الباشمهندس خلدون رفقة قادة الشركة وهم يمضون بأطوار الكون نحو آفاقٍ أوسع، ويسيرون بمجدهم العالي إلى الاعلى، كتبوا قصة نجاح تستحق أن تُروى، لا بوصفها إنجازاً متفردٱ فحسب، بل كنموذج يُلهم كل من ظن أن الطريق انتهى به. فالحكايات العظيمة لا تبدأ دائماً في ظروف مثالية، بل كثيراً ما تولد من رحم المعاناة.

والحق أنني ترددت كثيراً قبل كتابة هذه الكلمات، خشية أن تُفهم خارج سياقها، لكنني آثرت أن أكتب وسأكتب… لأن الكتابة وهنا تحديدٱ ليست ترفٱ بل واجب ومسؤولية وقضية.