العقيد”م” الحوري يفكك عبر “العودة” شفرة نصر معركة الكرامة: المعركة بدأت ضد 165 ألف متمرد وإمتصصنا الهجمة بعقيدة الـ 100 عام.
الجيش انتقل من “تثبيت الأركان” إلى الهجوم وحررنا 6 ولايات بالتمام والكمال
الميليشيا فقدت قوتها الصلبة وتعتمد الآن على مرتزقة من 17 دولة
تغييرات كشوفات الضباط إجراء دوري يحفظ هرمية المؤسسة ويضخ دماءً جديدة
تطهير الخرطوم أعاد تشغيل مصانعنا العسكرية وسلاح الإمداد تجاوز أصعب المحطات
الوعي الشعبي هو الصخرة التي تكسرت عليها غرف الإعلام المضلل والمأجور
الحسم العسكري هو الأساس لتأسيس واقع جديد لا مكان فيه للميليشيات خارج الدولة
حاوره: رمضان محجوب
في حضرة التاريخ العسكري السوداني، يقف الخبير العسكري العقيد ركن (م) إبراهيم الحوري كشاهدٍ وقارئٍ فذ لملحمة “الكرامة” التي تخوضها القوات المسلحة ضد أكبر مؤامرة استهدفت وجود الدولة. في هذا الحوار الاستثنائي، نغوص مع سعادة العقيد الحوري في تفاصيل ثلاث سنوات من الصمود، بدأت بغدرٍ في “المنطقة صفر” وانتهت بانتصارات تلوح في أفق التحرير الكامل. يفكك ضيفنا بلغة الأرقام والتحليل الاستراتيجي شفرة التفوق العسكري، كاشفاً عن أسرار الصمود في أصعب اللحظات، ومستشرفاً مستقبل السودان ما بعد سحق التمرد، في رحلة بحث عن الحقيقة والوعي.
■ سيادة العقيد، بعد مرور ثلاث سنوات على “الطلقة الأولى”، كيف استطاعت القوات المسلحة تحويل صدمة الغدر إلى استراتيجية صمود وطني أذهلت المراقبين؟
= هذه المعركة بدأت ببداية عنيفة جداً؛ فبلغة الأرقام، كان للعدو قوة ضاربة في “المنطقة صفر” قوامها 165 ألف جندي، و12,600 مركبة قتالية، و50 مدرعة، وكان يمتلك زمام المبادرة والأرض الحاكمة. لكنهم افتقروا إلى “العقيدة القتالية”، وهنا برز الفرق بين ميليشيا وقوات مسلحة يمتد عمرها لـ 100 عام من الخبرات المتراكمة والحداثة، مما مكنها من امتصاص الهجمة الشرسة والصمود عبر المحافظة على القيادة العامة والأسلحة الاستراتيجية في أم درمان وبحري، ثم التحول من الدفاع إلى استهداف تجمعات العدو بضربات جوية موجعة، الأمر الذي اضطر الميليشيا للجوء إلى مرتزقة من 17 دولة لتعويض النقص الحاد في أفرادها.
■ تجاوزنا مرحلة “تثبيت الأركان” إلى مرحلة “التقدم”؛ ما هي المنجزات العسكرية الأهم في مسار استرداد هيبة الدولة خلال هذه الأعوام؟
= الإنجاز الأبرز هو استعادة زمام المبادرة والانتقال الكامل من الدفاع إلى الهجوم؛ حيث تم تحرير 6 ولايات ودحر العدو خارج العاصمة، وتنفست القيادة العامة ومناطق بحري وأم درمان وجبل أولياء والصالحة الصعداء. بجانب ذلك، تم القضاء على “القوة الصلبة” للميليشيا التي باتت تعاني نقصاً هائلاً في العنصر الإداري والميداني، مما أدى لتردي حالتها المعنوية وانعكس سلباً على أدائها الميداني.
■ كيف تقرأ نجاح الجيش في العبور من وضعية الدفاع عن المقرات إلى وضعية الهجوم والانتشار وتوسيع السيطرة في محاور الخرطوم والجزيرة؟
= النجاح يكمن في القدرة على “مواءمة الأوضاع”؛ فنحن نخوض حرب عصابات، ومدن، وصحراء في آن واحد. المقاتل السوداني مدرب على هذه الأنماط كافة، وهذا هو “رأس الرمح”. في أم درمان، تم ربط سلاح المهندسين بمنطقة كرري وتضييق الخناق على العدو في أم درمان القديمة وسوقها، وفي محوري سنار والفاو بدأ تأمين المناطق تمهيداً للانطلاق نحو تحرير ولاية الجزيرة.
■ ملف الإحالات الأخير في القوات المسلحة أثار تساؤلات؛ من وجهة نظرك، كيف تخدم هذه التنقلات استراتيجية “الدماء الجديدة”؟
= القوات المسلحة مؤسسة ذات تراتبية ولوائح صارمة؛ فالتسلسل الهرمي يتطلب أعداداً محددة في كل رتبة. لذا، فإن الإحالات والترقيات هي إجراء دوري سنوي يمنع ترهل القوات ويضمن ضخ دماء جديدة قادرة على تولي المهام الميدانية بذهنية متجددة، وهو التزام بمهنية المؤسسة التي تتيح الانتقال السلس للقيادة وجاهزيتها للتعامل مع واقع الأرض المعقد.
■ من واقع متابعتك، كيف تمكنت المؤسسة العسكرية من تجاوز معوقات الإمداد والضغوط الخارجية لتصل بالوضع العملياتي إلى ما هو عليه اليوم؟
= ملف الإمداد كان شائكاً نظراً لاستيلاء الميليشيا في البداية على مخزون كبير، مما شكل وضعاً صعباً وتأخيراً في بعض المتحركات. لكن بفضل الخبرات والعلاقات الدبلوماسية المتزنة، تم حل إشكالات توريد السلاح والذخائر. والآن، وبحمد الله، بعد تطهير الخرطوم، عادت مصانع القوات المسلحة للعمل لتلبية احتياجات الميدان من معدات وذخائر.
■ “ما بعد الطلقة الأولى” بدأت مرحلة الالتحام الشعبي؛ كيف تقيم منجز “المقاومة الشعبية” وتأثيرها على معنويات الجندي؟
= الالتفاف الشعبي الكبير في “معركة الكرامة” هو الدافع الأساسي للنصر؛ فقد أدرك الشعب حجم المؤامرة ضد وجود الدولة، وتدافع الشباب نحو معسكرات الاستنفار للذود عن حياض الوطن. هذا الالتحام هو ما يعزز عزيمة الجندي التي لا تلين في كافة الجبهات.
■ كيف استطاع الجيش بناء منظومة “وعي عسكري” لدى المواطن لإحباط مخططات الشائعات؟
= وعي الشعب كان الصخرة التي تحطمت عليها غرف الإعلام الممول التي تفبرك المحتوى المضلل. التواصل المستمر بين القيادة والشعب عبر المنصات الرسمية والإعلام العسكري الذي نقل الصورة الحقيقية، ساهم في كشف أكاذيب الميليشيا وفضح دمارها، مما حقق استقراراً في الجبهة الداخلية وفوت الفرصة على المتربصين.
■ حول مستقبل العمليات؛ هل نحن أمام مرحلة “التطهير النهائي” للمدن، أم أن الاستراتيجية ستميل نحو الحصار والضغط؟
= القوات المسلحة تمضي بخطى واثقة نحو التطهير الشامل. العمليات في بعض المناطق تسير ببطء مقصود لضمان سلامة المدنيين وتجنب تدمير الأعيان المدنية، خاصة أن الميليشيا تستخدم المواطنين دروعاً بشرية، لكن الوجهة النهائية هي التطهير الكامل من دنس التمرد والمرتزقة.
■ ما هي قراءتك للراهن العسكري في ولاية سنار ومحور الفاشر، وكيف يؤثر صمود هذه الجبهات على خارطة النصر؟
= الصمود في هذه الجبهات ركيزة أساسية؛ فالميليشيا تعاني من تخبط في القيادة والسيطرة بعد مقتل قادة الصف الأول والثاني، ولجوؤهم لتدوين المناطق السكنية هو مجرد غطاء لهزائمهم. القوات المسلحة ترصد تحركاتهم كافة وسيتم التعامل معها بحسم، كما بدأ الحشد لفك الخناق عن الأبيض وكادوقلي والدلنج.
■ كيف تنظر لدور الخبرات العسكرية (المعاشيين) في إسناد غرف العمليات والتحليل الاستراتيجي؟
= الخبرات المتراكمة هي “رأس الرمح”؛ فالمؤسسة تستفيد من قادتها وضباطها في التخطيط والتحليل الاستراتيجي، مما ساعد في صياغة استراتيجيات ناجحة لتدمير القوة الصلبة للعدو بفاعلية كبيرة جداً.
■ كيف نجحت القوات المسلحة في حماية أصول الدولة الاستراتيجية من التدمير الكلي؟
= السياسة ارتكزت منذ البداية على حماية المقرات الاستراتيجية والأسلحة المهمة. القوات الخاصة تعمل بمهنية عالية في تطهير مناطق مثل المقرن ووسط الخرطوم مع الحفاظ على البنية التحتية، بجانب الدور الإنساني لسلاح الخدمات الطبية في تقديم المساعدات للمواطنين في المناطق المطهرة.
■ كيف تنظر لمستقبل العملية الميدانية في ظل تآكل القدرات البشرية واللوجستية للمتمردين؟
= الميليشيا تعيش حالة انهيار حقيقي بعد فقدان أفرادها والاعتماد على مرتزقة من 17 دولة، لأن تعويض الفرد العسكري المدرب يستغرق وقتاً طويلاً. الآن هم في حالة تخبط، والمستقبل هو للحسم العسكري الذي يضع حداً للانتهاكات ويؤسس لواقع جديد بلا ميليشيات خارج إطار الدولة.
■ أخيراً، في ذكرى العام الثالث للحرب؛ ما هي رسالة “البشرى” التي يوجهها العقيد الحوري للشعب الصابر؟
= رسالتي أن النصر قريب جداً؛ السودان سيعود آمناً مستقراً، والقوات المسلحة هي صمام أمان هذا البلد. الرحمة للشهداء الأبرار وعاجل الشفاء للجرحى، وأبشروا فإن فجر التحرير الكامل من دنس التمرد والمرتزقة قد دنا.