​رمضان محجوب يكتب: أنواء الروح شهادة قلم عاصر الإنكسار “الحلقة الخامسة عشر”  ​نفق الذهول

■ ضحكت لأن عيني الصحفية وخبرتي العسكرية خلال الخدمة الوطنية رصدتا الثغرة الفاضحة؛ لقد كانت خزنة بندقيته خالية تماماً من الذخيرة، فبرغم صوت التعمير المتكرر والحركات الاستعراضية التي كان يؤديها، لم تخرج تلك الطلقة التي تؤكد وجود الرصاص في بيت النار، كان يمارس علينا إرهاباً جافاً بسلاح أخرس، وهو يظن أن هيبته تستمد من حديد فارغ لا يقتل إلا الخائفين الذين غابت عنهم البديهة.

​■ لم ينطق أحد منا بكلمة من التي كان يرجو سماعها، وأضحى كل واحد منا يسرد طبيعة مهنته وعمله المعتاد، ويروي قصة اعتقاله وكيف تم اقتناصه من قبل استخبارات المليشيا دون مسوغ قانوني أو أخلاقي، وعندما يئس منا الجنجويدي المخبول ورأى جدار صمتنا وثباتنا الأسطوري، أمرنا بلهجة غاضبة وحاسمة بالتوجه نحو الزنزانة التي لم تكن سوى حجرة ضيقة تفيض بالضيق والاختناق وتصادر حق الإنسان في الحياة.

​■ كانت تلك الزنزانة عبارة عن مساحة كئيبة لا تتجاوز ثلاثة أمتار في ثلاثة أمتار، حشرنا فيها كأننا بضاعة منسية في ركن مهمل من أركان الزمان، وداخل علبة الكبريت هذه وجدنا أربعة سبقونا إليها، كان بينهم الأستاذ يس جماع، المترجم بالمجلس الوطني ووالد الزميل الهضيبي يس، الذي اعتقلته يد الغدر من أمام منزله بذات التهمة المعلبة والاشتباه الفج الذي سحبونا بسببه إلى هذا المصير المجهول المتربص بنا.

​■ اندهشت لوجوده في هذا المقام الضيق الذي لا يليق بقامته، ولأن الموقف لم يكن يحتمل الأسئلة أو تبادل عبارات المواساة الطويلة، فقد اكتفيت بتحية معلنة لم تتجاوز نظرات العين المنكسرة هيبةً والمرفوعة عزةً، وتركت بقية استفساراتي لقادم وقت قد لا يسعفنا أبداً، ففي المعتقل تصبح الأسئلة ترفاً لا يملكه المقيدون خلف القضبان، ويصبح الانتظار الصبور هو اللغة الوحيدة التي يتقنها الجميع بمرارة تحت وطأة الظروف القاسية.

​■ غرفة المعتقل ذات الأمتار الثلاثة ليست ككل الغرف التي يعرفها البشر في حياتهم العادية، فهي غرفة متكاملة الخدمات القسرية، تضم النوم ودورة المياه والمصلى في آن واحد بائس، واستنشاق الهواء النقي فيها يكون بالحظ المحض والصدفة؛ إن كنت قريباً من قضبان الباب الحديدي الصدئ نلت نصيباً من الحياة، وإن لم تكن فنصيبك من الهواء سيكون نتانة وندامة في زحام يقتل الأنفاس المتعبة قبل أن تنال من الأجساد.

​■ لكم أن تتخيلوا اكثر من خمسة عشر رجلاً يقبعون في تلك المساحة الضيقة، حيث تتداخل الأنفاس وتصطدم الأكتاف في كل حركة، وتصبح الرغبة في التمدد حلماً بعيد المنال وصعب التحقيق، كان المشهد تجسيداً حياً للمهانة التي يحاول هؤلاء الأوباش زرعها في نفوس الشرفاء، لكن الروح تظل تحلق بعيداً عن جدران الإسمنت الصماء، تبحث عن كوة ضوء في سقف المأساة الذي كاد أن يطبق على رؤوسنا جميعاً دون ذرة رحمة.

​■ بعد ساعة من اعتقالنا المرير، بدأ التحري عن المعتقلين وليس معهم، فاستخبارات المليشيا كانت تعتمد منهجاً غريباً في التقصي، إذ تبدأ بسؤال الجيران في الحي ممن تثق فيهم أو من يسيرون في ركابها، وعلى ضوء تلك الإفادات المسمومة أو المنصفة تأتي المرحلة الثانية، وهنا تتحقق مقولة إن جارك إما أن يؤذيك بكلمة باطل توردك المهالك، وإما أن تجد منه وفاءً نادراً ومروءة تسند ظهرك في لحظات الانكسار والضيق.

​■ داخل تلك الزنزانة الموحشة، كنت حريصاً على الجلوس بالقرب من شيخ علي شريف، لأني منذ الوهلة الأولى كنت أدرك بحدسي الصادق وقلبي الذي لا يكذب أنه سيخرج من هذا الاعتقال قبل الجميع، ليس لشيء سوى أن للرجل محبة يقذفها الله حتى في قلوب أعدائه وشانئيه، وهيبة صامتة تجبر السجان على التراجع خجلاً، فكان وجودي بجواره نوعاً من التماس السكينة والهدوء في عز العاصفة التي تضربنا بعنف مفرط.

​■ كان جل حديثي المهموس لعلي يتركز على ضرورة تأمين الصغير عبد الخالق فور خروجه من هذا المحبس، وإبعاده عن منطقة الصفوة وإلحاقه بوالدته وإخوانه في مدينة مدني بعيداً عن نيران المتربصين، لم أترك علياً وشأنه رغم جبال الهموم التي كانت تحاصرنا، وظللت ألح عليه حتى نلت منه وعداً قاطعاً بذلك، حينها فقط اطمأنت نفسي وقلت بداخلي ما ضرني شيء بعد الآن، ولم يعد يشغلني مصيري المجهول بقدر ما شغلني تأمين الأبرياء.

​■ عند الرابعة عصراً، توضأنا داخل الزنزانة بما تيسر لنا من ماء شحيح تمن به علينا السجان، وانتصبنا على بقايا قطع كرتونية مهترئة كانت هي سجادنا وفرشنا في ذلك القبو، وأدينا فريضة العصر في جماعة مهيبة، كان مشهداً روحانياً لا يمحوه الزمن من ذاكرتي أبداً، حيث تلاشت جدران السجن وعلت التكبيرات لتعلن أن القيد وإن طال أمد بقائه، فإن صلة العبد بربه هي الحرية الحقيقية التي لا تملك المليشيا سلبها مهما تجبرت في الأرض.

​■ كانت قوافل المعتقلين لا تزال تتوالى إلى محبسنا المظلم، يجرون خلفهم خيبات الظلم وذات الشبهة المتكررة والممجوجة، وهي التخابر والتعاون مع القوات المسلحة وتزويدها بإحداثيات عن أماكن تواجد المليشيا، تهمة أصبحت كـ “القميص” الجاهز الذي يلبسونه لكل من لا يعجبهم لونه أو صمته أو حتى طريقة سيره الكريمة في شوارع الحي التي استباحوها بجهلهم وخرابهم الذي طال كل جميل في بلادنا الجريحة.

​■ أذكر من بين الذين أتت بهم الاستخبارات أحد قدامى المحاربين، وكان معروفاً في المنطقة بأنه ترك العمل العسكري وانخرط في الحياة المدنية قبل نحو عشر سنوات، إلا أننا تفاجأنا بوجوده بيننا كما تفاجأ هو نفسه لحظة اعتقاله، فهؤلاء القوم لا يفرقون بين الماضي والحاضر، ولا يفقهون معنى التقاعد أو الحقوق، فكل من لمس السلاح يوماً في خدمة الوطن هو في نظرهم عدو أبدي يجب تغييبه خلف القضبان الصدئة الموحشة.

​■ الغريب في قصة هذا المحارب القديم، أن أفراد المليشيا وجدوا بحوزته عند التفتيش الأولي “قندولين” من الحشيش، فأخذوهما منه وصادروهما لأنفسهم بوقاحة لا يضاهيها شيء، وقالوا له ببرود مستفز: ليس لهذا اعتقلناك بل لصلتك السابقة بالجيش، وبعدها أسر لي الرجل داخل المعتقل بأنهم فعلوا ذلك طمعاً في صيده”الحشيش” الذي رفض إعطاءهم إياه قبل يوم من القصف الجوي المروع الذي حصد تجمعاتهم.

​■ عند الخامسة عصراً، بدأت نتائج التحري الميداني تظهر انفراجاً لبعضنا، فكان الأستاذ يس جماع وعلي شريف من أوائل المفرج عنهم بعد شهادات منصفة في حقهم من أصحاب المروءة، حمدت الله كثيراً على خروجهم الذي أثلج صدري، وظل الإفراج يتم تتابعاً لمن حالفه الحظ والعدل المفقود، وعند اقتراب المغيب جاء قائد المنطقة المليشي المدعو “جبريل” لينظر في مصير من تبقى منا داخل تلك الحفرة العميقة التي تسكنها الأوجاع.

​■ لكن القدر أراد لنا فصلاً جديداً من فصول المعاناة، إذ حدث اشتباك لفظي عنيف عمد مدخل القسم كاد أن يتحول إلى تبادل لإطلاق النار بين “جبريل” وأحد قادة المليشيا الذين جاءوا إلى منطقة الصفوة هروباً من جحيم الخرطوم المشتعل، على إثر تلك المشاحنة الصاخبة، غادر جبريل القسم غاضباً دون أن يبت في مصير البقية، تاركاً إيانا معلقين بين رجاء الحرية وقسوة البقاء تحت رحمة صغار الجنود الذين لا يعرفون ديناً ولا قانوناً ولا ذمة.

​■ جاءنا بعدها أحدهم، عرفت فيما بعد أنه “صول” معاشي ، ينتمي لإثنية تعد من الحواضن الاجتماعية الكبرى للمليشيا، والتحق باستخباراتهم في الصفوة، جاء ليتحرى معي ومع الصديق محمد عبد الله ومن تبقى من الرفاق، كانت عقيدتهم الراسخة والبليدة أن مهنة الصحافة تعني بالضرورة التبعية لـ “الفلول” والاستخبارات العسكرية، هكذا هي عقولهم المسطحة التي لا ترى أبعد من فوهة البندقية الغادرة والعمياء.

​■ حاول الصول المليشي التحري معنا بطريقة بدت وكأنها “دردشة” غير رسمية، مدعياً أن الطريق هو ما أتى به إلى هنا وأنه يريد فقط معرفة قصتنا والدوافع وراء وجودنا، وطبعاً لم يجد منا “عقالاً نافعاً” يديننا، بل انبرى له الزميل محمد عبد الله يطوف به في حديقة أشعاره الغناء، وقطف له من ثمار اشعاره الخاصة “غزال القوز” التي سكب فيها “ود يعقوب” عصارة شهده الشعري الفريد، وهي الأغنية التي خلدها الراحل المقيم محمود عبد العزيز بصوته الشجي.

​■ خرج الرجل مشدوهاً ومنتشياً بجمال كلمات محمد عبد الله وعذوبة صوت محمود “الحوت”، وحزيناً في آن واحد لأنه لم يجد فينا دليلاً مادياً يديننا بالتخابر الذي ينشدونه، وعندما سأله أحد أوباش الخلاء عن معنى “صحفي”، سمعته يقول له وهو يهم بالانصراف بلهجة الواثق: صحفي يعني “حكامة الحكومة”، هنا ضحكت جهرة فلم يتمالك الجنجويدي نفسه من الغيظ، وكاد أن يدخل الزنزانة ليصفعني على ضحكة كشفت جهلهم المطبق وغيبوبتهم الكاملة عن حقائق الواقع.

​■ فهذا الفهم القاصر لمهنة الصحافة يختزل دور “صاحبة الجلالة” في كونها مجرد أداة رخيصة للتطبيل أو “الحكامة” التي تمدح السلطان وتزيف الوعي، فهم لا يدركون أن الصحافة هي عين المجتمع الناقدة وسلطته الرابعة التي تقيم الأداء التنفيذي وتفضح التجاوزات أينما كانت، وبسبب هذا الجهل صار كل حامل قلم في نظرهم “عدواً مسلحاً” بالكلمة، وهي سلاح يخشونه في دخائلهم أكثر من الرصاص الحي والمسيرات والراجمات الثقيلة.

​■ عندما حان المغرب، بقينا ثلاثة فقط من أصل ستة عشر؛ أنا وصديقي محمد، والثالث كان تاجراً من أبناء دارفور، قذفت به أتون الحرب اللعينة هناك ليهرب بجلده وتجارته نحو الخرطوم طلباً للأمن، فاستأجر منزلاً بالصفوة وافتتح بقالة ليعيش من عرق جبينه وكده اليومي، لكنه وجد مصيراً أسوأ مما هرب منه، حيث اعتُقل لمجرد جلوسه أمام دكانه، ليواجه تهمة التخابر التي لا تفرق بين نازح وصحفي ومحارب قديم في شرع الغاب..

نواصل