رمضان محجوب… يكتب :  وداعاً شيخ العرب “شنيبو.” .!!

■ يمضي الكرامُ تباعاً، وتطوي الأرض في جوفها معالم النبل والشهامة، وتفقد الخرائط الاجتماعية برحيلهم أوتاداً كانت تشد خيام الألفة والاستقرار، وفي رحيل اللواء (م) قريب الله أحمد حسن شنيبو، لا تذرف المآقي دمعاً عادياً، بل تسكب “دنقلا” مرارة الفقد لركنٍ وطني ومجتمعي باذخ العطاء، عاش مرابطاً في ثغور الخدمة، وقضى نحبه في طريق الوفاء، تاركاً خلفه إرثاً عصياً على النسيان ويصعب على الأيام تعويضه.

​■ كان الفقيد تجسيداً حياً لإرث ضباط الشرطة السودانية الأوفياء، الوطنيين المخلصين، الذين يبرهنون في كل محفل أن الوفاء للأرض ليس مجرد وظيفة تنتهي بانتهاء الخدمة، بل هو عقيدة راسخة تسري في الدماء؛ يذودون عن حمى الوطن مرابطين في ثغور الخدمة الرسمية، ويواصلون المسير بعزيمةٍ لا تلين بعد التقاعد، فكان شنيبو النموذج الذي لا يعرف الترجل عن صهوة الواجب إلا ليلتقي بربه في دروب المودة والعمل الوطني.

​■ قابلته أول مرة قبل نحو شهرين، في نهار جمعةٍ يفيض بالسكينة، بمعية الأخوين الأستاذ حسن آدم وزير الحكم المحلي بالولاية، والدكتور دفع الله القدال، فكان حي “الدرجة الأولى” بدنقلا يشهد على درةٍ إنسانية تسكن ذلك المنزل الحكومي العامر، حيث تجلى الفقيد “شيخ عرب” بامتياز، يفيض جوداً وكرماً، ويستقبلك بوقار القادة وتواضع الأتقياء، فكان مجلسه مدرسةً في أدب الضيافة وحسن الوفادة ومرجعاً في حكمة الشيوخ.

​■ لم يكن بيته مجرد جدران وأبواب، بل كان ملاذاً لا يخلو من ضيف، أو صاحب حاجة، أو صديق، أو ذي قربى، فكانت يده الممدودة بالخير تسبق لسانه بالترحيب، وفي حضرتِهِ تُقضى حوائج القاصدين، وكأن الله قد اختصه بصناعة المعروف، فجعل من ديوانه قبلةً للمكروبين ومنارةً للطالبين، حتى غدا رحيله صدعا في جدار المجتمع الذي كان يستند إلى جوده ورجاحة عقله في الملمات.

​■ شاءت الأقدار أن يكون الختام تراجيدياً ومؤثراً، فبينما كان يواسي في رحيل شقيقه الذي غادر دنيانا قبل أيام، باغته الأجل المحتوم في حادث حركة أليم على طريق (دنقلا – أوربي)، ليرحل وهو يؤدي واجب العزاء، فكأنه أبى إلا أن يلحق بركب الراحلين في ذات درب المودة، ليموت كما عاش، واصلاً للرحم، باحثاً عن الأجر، ومستجيباً لنداء الواجب الإنساني والاجتماعي الذي لم يغب عنه يوماً.

​■ هذا الفارس الذي أفنى سنوات عمره في خدمة الوطن وأهله، ظل مثالاً للانضباط العسكري الممزوج بحكمة الشيوخ، حاملاً همّ الأرض والعرض في زمنٍ تكالبت فيه المحن، فكان صمام أمانٍ لمجتمعه وأهله، ثابتاً على المبادئ التي تربى عليها في مؤسسة الشرطة العريقة التي لم تزده إلا رفعةً وتواضعاً.

​■ لم يخلد اللواء قريب الله للراحة بعد ترجله من الخدمة الرسمية، بل انخرط في صفوف المقاومة الشعبية ملبياً نداء الكرامة والوطن، متقدماً الصفوف بعزيمة المقاتل وحكمة القائد، مسهماً في تعزيز روح التكاتف والذود عن حياض الولاية؛ إن فقده اليوم يمثل خسارة فادحة لهذا الكيان بوحدة دنقلا، فقد فقدت بذهابه ركناً ركيناً كان يمثل العقل المدبر والقلب النابض في ميادين الاستنفار.

​■ وهب الفقيد وقته وخبرته العسكرية الطويلة لتنظيم الصفوف وحشد الهمم، مؤمناً بأن حماية الأرض فرض عين وواجب لا يقبل التأجيل، وسيظل اسمه محفوراً في ذاكرة رفاقه في خنادق المقاومة، تروي سيرته للأجيال كيف تتحول الرتب العسكرية إلى رتبٍ إنسانية تجبر الخواطر وتغيث الملهوف، فقد فقدنا برحيله صوتاً للحق ويداً للخير، وعقلاً يزن الأمور بميزان الحرص على السيادة الوطنية.

​■ كان “شيخ العرب” بمثابة الوتد الذي يرتكز عليه البنيان الاجتماعي في دنقلا، لم تزده الأيام إلا قرباً من الناس؛ فكان في تعامله يجسد قيم النبل السوداني الأصيل، يمزج بين هيبة العسكرية ورقة القلب، مما جعله يدخل القلوب دون استئذان، ويترك في كل محفل أثراً طيباً وذكرى لا تنمحي، فكان الرمز الذي يجمع حوله الشتات ويوحد الكلمة في أصعب الظروف التي مرت بها البلاد.

​■ عزاؤنا فيك يا أبا أحمد، أنك تركت خلفك سيرةً بيضاء كبياض قلبك، وأنك انتقلت إلى جوار ربك وأنت في مهمةٍ إنسانية، لتكتب عند الله من الصابرين المحتسبين، فجزاك الله عن المقاومة الشعبية وعن “دنقلا” وأهلها وعن الوطن خير الجزاء، وجعل كل ما قدمته من تضحية في ميزان حسناتك، وضاعف لك الأجر في كل خطوةٍ خطوتها نحو نصرة المظلوم وإعانة المحتاج.

​■ إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع ولا نقول إلا ما يرضي الله، فقد كان الفقيد رمزاً للعطاء الصامت في سبيل الكرامة، والعمل الدؤوب بعيداً عن صخب الأضواء، آمن بقضية وطنه وعاش مرابطاً من أجلها، ورحل وهو متمسك بقيمه، مخلفاً وراءه فراغاً كبيراً في نفوس المستنفرين ورفاق الدرب، لكنها إرادة المولى التي سبقت كل تقدير بشري.

​■ ستبقى مآثرك يا سعادة اللواء منارةً نهتدي بها في دروب الوفاء والوطنية، وستظل قصص كرمك وجودك وحرصك على قضاء حوائج الناس تُروى في مجالس “الدرجة الأولى” وفي كل ثكنات العزة بدنقلا، فأنت لم ترحل بل استقررت في الذاكرة الجمعية كواحد من أفذاذ هذا الجيل الذين جاد بهم الزمان في وقت الشدة ليكونوا حائط صدٍ منيع.

​■ نسأل الله العلي القدير أن يتقبله قبولاً حسناً، وأن يتغمده بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، وأن ينزل السكينة واليقين على قلوب أهله وذويه ومحبيه، ويلهمهم الصبر الجميل على هذا المصاب الجلل الذي آلمنا جميعاً وأفقد المقاومة سنداً وظهيراً لا يعوض في هذه المرحلة الحرجة.

​■ اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، واجمعنا به في مستقر رحمتك يا أرحم الراحمين؛ فقد كان نعم الرجل، ونعم القائد، ونعم الابن البار بتراب هذه الولاية العريقة.

​■ وداعاً الفارس الذي ترجل في قمة عطائه، وداعا يا من علمتنا أن الخدمة الوطنية عهدٌ مع الأرض والناس يمتد حتى النفس الأخير، فنم قرير العين فقد أديت الأمانة، ونصحت الأمة، وتركت ذكراً حسناً هو العمر الثاني للإنسان، وستظل ذكراك في “زاوية أنواء” وفي قلوبنا جميعاً نبراساً للحق والوفاء، وإنا لله وإنا إليه راجعون.