■ عند الثانية عشرة من منتصف ليلة عيد الأضحى، انشق صمت الحي المخيف عن أزيز مرعب للطيران الحربي وهو يزور المدينة المحتلة، ليعلن عن ليلة لم تشهدها الذاكرة من قبل؛ حيث اختلطت تكبيرات العيد المفترضة بأصوات القذائف التي بدأت تحصد أرواح من استباحوا الديار، وتحيل السكون الذي كان يلف المنطقة إلى ضجيج من النيران والدخان الذي غطى عنان السماء.
■ كان الطيران الحربي قد حدد أهدافه بدقة متناهية سلفاً، حيث استهدف بيتاً في “آخر محطة” كان يتخذه عناصر الميليشيا ثكنة ومستودعاً للأموال المنهوبة وممتلكات المواطنين، أما الهدف الثاني فكان “نادي مشاهدة” بسوق سبعة، حيث اختار قائد الميليشيا بالمنطقة وأعوانه القادمون من معسكر “الكونان” ذلك التوقيت لتعاطي الشيشة، ظناً منهم أن ليل العيد سيمنحهم الأمان لمواصلة سمرهم الملطخ بالدماء.
■ كان القصف مرعباً لدرجة أن الأرض اهتزت تحت الأقدام كأنها تلفظ من عليها، وتحول ليل الحي الموحش إلى نهارٍ ضاج بالصخب والحرائق المشتعلة في كل زاوية. وفي تلك الغارات، هلك العديد من عناصر الميليشيا الذين كانوا داخل الأهداف المرصودة، وبينما تناثرت أشلاء الظلمة في أرجاء المكان، نجا قائد الميليشيا من الهلاك بأعجوبة، ليبقى شاهداً على دمارٍ كان هو وأعوانه سبباً في جرّه إلى المنطقة.
■ غير أن الوجع الأكبر الذي هز الحي وأبكاه بحرقة، كان استشهاد طفلين بريئين من “أولاد الحمري” في غارة نادي المشاهدة؛ ففي تلك اللحظة المشؤومة، كان الصغيران يتواجدان بصالون حلاقة مجاور للنادي، يزينان شعرهما استعداداً لبهجة العيد التي لم تكتمل، فباغتهما الموت وهما في أبهى حلة، لتتحول ثياب العيد إلى أكفان طاهرة، في فاجعة أدمت القلوب وجعلت من ليلة العيد مأتماً كبيراً.
■ كنت مستيقظاً حينها، أراقب سماء الحي التي استباحها الطيران، وبدافع لا شعوري صعدت إلى “السطح” لاستكشاف حجم الخطر، وهناك، وفي لحظة من الهلع، أيقظت نجلي “عبد الخالق” بجنون من نومه، وأمرته بالنزول فوراً والدخول إلى الغرف الداخلية؛ فقد كان أزيز الطائرات يقترب بشكل يوحي بأن القصف بات وشيكاً، وأن الموت يرفرف فوق رؤوسنا بانتظار إشارة الانطلاق.
■ أدركت تماماً من كثافة التحليق أن القصف سيقع لا محالة، ولم تمضِ غير دقيقة واحدة من حدسي هذا حتى نالنا رعب مفزع جراء الانفجارات التي بدأت تمزق صمت الليل. لقد استحال الظلام الموحش إلى نهار ضاج بالأضواء الكاشفة المنبعثة من الانفجارات، وبات الحي كله في حالة من الذهول والارتجاف أمام قوة المقذوفات التي كانت تسقط بدقة متناهية على أهدافها المرسومة.
■ لم تمضِ على مغادرة الطيران سماء الحي دقائق معدودات حتى ارتفع صراخ عناصر الميليشيا؛ كان صراخاً مشوباً بالألم والوجع والهزيمة، فمنهم من هلك تحت الركام، ومنهم من كان يئن من جراح غائرة، ومنهم من فقد عزيزاً لديه في تلك المواجهة غير المتكافئة، فكان صراخهم يعكس حجم الفاجعة التي حلت بهم في ليلة كانوا يخططون فيها للاحتفال على أنقاض أحلام المواطنين.
■ ولأن منزلي يقع قريباً من “آخر محطة” المستهدفة، فقد كان لسطح داري نصيب من شظايا مقذوفات الطيران التي تساقطت كالمطر الملتهب، كما نال الميدان المجاور للمنزل نصيباً وافراً من تلك الشظايا التي اخترقت الأرض، لكن الله بفضله ولطفه قدّر فنجا البشر، ونجا ابني “عبد الخالق” من موت محقق بعدما أيقظته في اللحظة المناسبة، ليبقى شاهداً على رحمة الله التي أحاطت بنا في تلك الليلة.
■ بعد خمس دقائق فقط من هدوء العاصفة، خرجت من البيت مدفوعاً بواجبي الإنساني لتفقد الجيران؛ بدأت بشارع البيت شرقاً من العزيز “محمود جيلي” وحتى غربه، واصلت المسير حتى وصلت إلى “علي شريف” وطريقته، حيث طرقت بابه واطمأننت على سلامته وأسرته، كنت أتحرك بدافع النخوة والارتباط الوثيق بأهل الحي الذين تقاسمت معهم مرارة الحرب وأوجاع النزوح المرير.
■ فعلت ذلك الخروج العفوي من باب الإنسانية والأخوة، ولم أكن أعلم أبداً أن هذه التحركات العفوية سيتم تصنيفها بعقليات مشوهة من قبل متعاوني الميليشيا بالحي؛ لقد اعتبروا تفقدي للجيران عملاً استخبارياً وتصحيحاً لأهداف طيران القوات المسلحة، ولم يدر بخلدي أن لمسة الوفاء تلك ستكون هي الذريعة لاعتقال مهين سيقع في صبيحة يوم العيد، ليحول فرحتي بسلامة أهلي إلى قيدٍ وجدران.
■ كانت تلك الليلة هي الفاصل بين الأمان الهش والابتلاء العظيم، حيث تداخلت فيها دماء البراءة مع أشلاء الظلمة، وامتزج فيها نحيب الأمهات بصراخ المهزومين، وبينما كنت أظن أنني أؤدي أمانة الجوار، كان هناك من يحيك لي مؤامرة الاعتقال في الخفاء، لتنتهي ليلة الرعب ببداية فصل جديد من الانكسار الذي سأروي تفاصيله المؤلمة في السطور القادمة، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الوجع.
■ انقضت ليلة الرعب، لكن آثارها بقيت محفورة في وجدان الحي، فموت طفلي “الحمري” سيبقى جرحاً لا يندمل، وغدر الجواسيس سيبقى وصمة عار تلاحق من باعوا ضمائرهم لاوباش المليشيا ،
نواصل..