المهندس أبوبكر شبو.. يكتب: تصنيفات واشنطن… عندما تصبح السياسة كوميديا سوداء…!! 

​في واحدة من تلك اللحظات التي يصبح فيها المشهد الدولي أقرب إلى الكوميديا السوداء، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية تصنيف ما سمّته “الإخوان المسلمين في السودان” منظمةً إرهابية.

​قرارٌ يبدو وكأنه كُتب على عجل في مكتب بعيد عن الخرطوم، لا يعرف شيئاً عن تعقيدات المجتمع السوداني، ولا عن حقيقة ما يجري على الأرض. ففي الوقت الذي يواجه فيه السودان حرباً شرسة تخوضها القوات المسلحة ومعها قطاعات واسعة من الشعب دفاعاً عن الدولة والأرض والعرض، قررت واشنطن أن تخوض معركتها الخاصة… مع خيال سياسي صنعته بنفسها.

​المفارقة أن البيان الأمريكي يتحدث بثقة عن تنظيم اسمه “Sudanese Muslim Brotherhood”، بينما يعرف السودانيون جيداً أن الحركة الإسلامية السودانية التي عرفتها الحياة السياسية لعقود كانت تجربة سياسية مختلفة تماماً في سياقها وتاريخها وقياداتها، من حسن الترابي إلى علي عثمان والزبير محمد صالح وعلي كرتي وغيرهم. لكن يبدو أن من كتب البيان لم يجد وقتاً لفتح كتاب عن السودان قبل أن يضغط زر “التصنيف”.

​الأكثر إثارة للسخرية هو الحديث عن لواء البراء بن مالك وكأنه ظاهرة غامضة هبطت من المريخ، بينما يعرف كل من تابع الحرب في السودان أن مثل هذه التشكيلات ظهرت في سياق التعبئة الشعبية لمساندة القوات المسلحة في مواجهة مليشيا متمردة ارتكبت من الجرائم ما يكفي لملء تقارير حقوق الإنسان لعقود قادمة. والعجيب أن العالم الذي لم يُسمع صوته عالياً عندما كانت المليشيات تحرق القرى وتقتل المدنيين وتنهب المدن، قرر فجأة أن يصبح شديد الحساسية عندما يتعلق الأمر بمن يقاتلون دفاعاً عن الدولة السودانية.

​إن المشكلة في مثل هذه القرارات أنها لا تُقرأ في الخرطوم باعتبارها موقفاً حقوقياً بقدر ما تُفهم باعتبارها جزءاً من لعبة سياسية أكبر؛ لعبة تتبدل فيها المبادئ بتبدل المصالح، وتُستخدم فيها شعارات حقوق الإنسان أحياناً أدواتِ ضغط لا أكثر.

​السودانيون اليوم يخوضون معركة وجود، وليس معركة تصنيفات بيروقراطية تصدر من مكاتب بعيدة عن واقعهم. وإذا كانت واشنطن تعتقد أن بضعة أسطر في بيان صحفي يمكن أن تعيد رسم المشهد السوداني، فربما عليها أولاً أن تنظر بجدية إلى ما يحدث على الأرض، حيث يدافع شعب كامل عن دولته في مواجهة الفوضى.

​أما السودان، فقد اعتاد منذ زمن طويل أن يواجه عواصف السياسة الدولية… ثم يمضي في طريقه