■ غادرنا مكتب المدير الطبي بمستشفى الراجحي، والقلوب لا تزال معلقة بطيف الطبيبة النبيلة، (د. كريمة علي شريف)، تلك التي ورثت من والدها الصمود، ومن مهنتها قداسة الرسالة. لم تكن مجرد طبيبة تؤدي واجباً وظيفياً في زمن الشدة، بل كانت تجسيداً لبر الوالدين في أبهى صوره وهي تقف إلى جانب والدها في هذا الثغر، وتجسيداً للوطنية وهي تداوي الجراح بروح الصبر وثبات الشجعان. غادرت المستشفى بصحبة أبيها وأنا أحمل تقديراً لا يحده حد لهذه القامة التي اختارت أن تكون بلسماً لجراحات أهلنا في أم درمان، ضاربةً أروع الأمثال في أن نساء السودان هنَّ الحصن المنيع حين تشتد الأنواء.
■ وبينما كنا نهم بعبور باب الحوادث، استوقفتني شواهد لمأساة أخرى كانت ترسم فصولها في باحة المستشفى؛ حيث تقبع عربة “هايس” (نصف نقل ركاب) في مشهد يبعث على الوجوم، ويختصر حكاية وطن يُنحر من الوريد إلى الوريد. كانت العربة تبدو وكأنها خارجة للتو من أتون معركة طاحنة؛ زجاجها مهشم تماماً كأحلام البسطاء الذين كانت تقلهم، وإطاراتها الأربعة قد ثقبتها رصاصات الغدر الحاقدة، وبقع الدماء المتناثرة على مقاعدها وجوانبها تحكي عن ليلة دموية لم ترحم براءة المعدن ولا مروءة الإنسان. لم تكن مجرد حطام لمركبة تعطلت، بل كانت “جثة” ميكانيكية متفحمة بالظلم، تقف شاهدة على انحدار الأخلاق في زمن الفوضى.
■ استفزت هذه المشاهد غريزتي الصحفية التي لم تطفئها أهوال الحرب، بل زادتها اتقاداً ورغبة في تقصي الحقائق. فتركتُ الصديق علي شريف يكمل ترتيبات اتصاله بكريمته الدكتورة، وتوجهت صوب صاحب محل اتصالات صغير قابع في ركن المستشفى، علني أجد عنده الخبر اليقين عما جرى لتلك المركبة المنكوبة. كان المكان يضج بالصمت المريب، وكأن الجدران تخشى الوشاية بما رأت، وكأن الهواء نفسه محمل برائحة الموت والبارود ونكران الجميل.
■ تلفت الشاب يمنة ويسرى بحذر شديد، وعيناه تراقبان الأبواب ليتأكد أن أحداً من هؤلاء “الأوباش” المنفلتين لا يسترق السمع، ثم بدأ يسرد لي قصة تجسد قمة المأساة والهمجية التي يمارسها هؤلاء التتار الجدد بحق المواطن السوداني الصابر. حكى بنبرة مخنوقة بالعبرات عن تحول قيم “الفزعة” والشهامة السودانية الأصيلة إلى فخاخ للموت المهين، وعن كيف صار الإحسان في زماننا هذا أقصر طريق للهلاك والدمار.
■ علمت منه أن هذه العربة كانت تعمل بكل جد وكفاح في خط مواصلات (سوق ليبيا – الطلمبة الأخيرة)، وكانت مساء أمس تحمل ركاباً من المواطنين البسطاء الكادحين الذين يطاردون لقمة العيش المغمسة بالدم والعرق وسط هذا الجحيم المستعر. سائقها شاب في مقتبل العمر، عصامي، يصارع الظروف القاسية ليطعم أسرة مكلومة تعيش على حافة الكفاف، ولم يكن يعلم أن رحلته تلك ستكون الأخيرة لمركبته وربما لسلامته النفسية للأبد، بعد أن واجه شراً لم يخطر له على بال.
■ وبينما كان السائق يشق طريقه بحذر وسط أنقاض الشوارع، تخطاه فردان مسلحان يستقلان دراجة بخارية، وكان الواضح من تمايلهما وترنحهما أنهما في حالة سكر شديد، وقد غابت عقولهما خلف كؤوس الرذيلة التي يتجرعونها ليل نهار ليقتلوا ما تبقى في دواخلهم من إنسانية. ظل ذانك “العربيدان” ينهبان الأسفلت عرضاً دون طول بدراجتهما، يترنحان في استهتار تام بأرواح المارة، وكأن الشارع ملك خاص لنزواتهم المريضة وعقولهم التي غيبتها السموم والمخدرات.
■ في لحظة طيش وفقدان للوعي، انحرفت دراجتهما فجأة لتصطدم بمقدمة الهايس في ارتطام مروع، أحال الدراجة إلى كومة من الخردة، ومزق جسد قائدها متأثراً بتلك الرعونة. أما الرديف الذي كان خلفه، فقد أصيب بجروح بالغة، لكنه عوضاً عن الندم أو الاعتذار، دخل في نوبة صراخ وعويل هستيرية ملأت الشارع، متناسياً حتى أوجاعه، ليبدأ فصلاً جديداً من التعدي والتبلي على من جاء لإنقاذه، في سلوك لا يصدر إلا عن نفس تشربت الحقد والعدوان.
■ تجلت في تلك اللحظة عظمة ومروءة الإنسان السوداني في أبهى صورها؛ فلم يتردد سائق الهايس الشاب للحظة واحدة، وتناسى أن هؤلاء هم من أرهقوا كاهل الوطن ويتموا أطفاله، وتولى أمر إسعاف المصابين وحملهما على جناح السرعة متوجهاً بهما إلى مستشفى الراجحي. كان يقود وسيلة رزقه وهو يظن أن “المعروف” سيشفع له، ولم يدرِ المسكين أنه كان يسوق حلمه إلى “مقصلة” العنجهية والحقد الأعمى الذي لا يفرق بين صديق وعدو.
■ لم يكن السائق يعلم أن مروءته ستواجه بغدر منكر؛ فبعد ساعة من الإجراءات الطبية داخل المستشفى، خرج الطبيب ليعلن هلاك أحد المسلحين متأثراً بإصابته، فما كان من “الرفيق” المصاب الآخر إلا أن استل بندقيته في جنون مطبق، وبدأ بفتح نيران حقده العشوائية على العربة القابعة في الفناء، ظناً منه بجهله وعنجهيته أن السائق لا يزال قابعاً خلف مقوده، محاولاً تصفية من أحسن إليه وإلى رفيقه الهالك في نكران للجميل يندى له جبين البشرية.
■ تدخلت عناية الله لإنقاذ السائق البريء، فقد كان في تلك اللحظات الحرجة قد ذهب إلى صيدلية خارجية لإحضار عقار طبي للمسلح المصاب نفسه! تزامنت طلقات النار التي مزقت عربته مع بداية عودته، فتجمد في مكانه وهو يرى “المجزرة” التي تُرتكب بحق مصدر رزقه ووحيدته التي يعول بها أسرته؛ ليفر بجلده ناجياً من موت محقق على يد من كان يحاول مداواته. غادرتُ المستشفى والأسى يعتصر قلبي على حال بلادي، وعلى تلك العربة التي وقفت حطاماً يحكي قصة وطن تنهشه أنياب الغدر، وتدوس على مروءة أهله أقدام الذين فقدوا بوصلة الإنسانية.
■ عدنا أنا وعلي شريف إلى “الصفوة” بعد الاطمئنان على كريمته الطبيبة، لكن الروح لم تكن هادئة كما كانت. كنت أجلس بجانبه في حافلة المواصلات والصمت يطبق علينا، بينما شريط الأحداث يمر أمام عيني كفيلم تراجيدي طويل ومؤلم. عدتُ وأنا أكثر خوفاً وقلقاً على وطن أراه “يتكسر” حرفياً أمام ناظري؛ تكسرُه البنادق المنفلتة، وتكسرُه الأخلاق الدخيلة، وتكسره تلك القلوب التي نسيت طعم الرحمة. شعرتُ حينها أن الحرب لم تهدم المباني والمستشفيات فحسب، بل إنها تضرب معولها في أعمق جذور الوجدان السوداني، محاولةً تهشيم ذاك الرابط المقدس من الشهامة الذي ظل يجمعنا لقرون.
نواصل..