بين جشع السماسرة وأنين العائدين .. صرخة من قلب الخرطوم

الخرطوم : محمد السني

بين جشع السماسرة وأنين العائدين، تبرز صرخة من قلب الخرطوم التي تشهد هذه الأيام حراكاً وطنياً كبيراً بتدفق قوافل المواطنين العائدين إلى ديارهم بعد سنوات من النزوح والتهجير القسري. هؤلاء العائدون، الذين أضنتهم الغربة ومرارة النزوح، عادوا وهم يحملون الأمل في إعادة الإعمار والاستقرار، لكنهم اصطدموا بواقع مرير يفرضه بعض ضعاف النفوس في سوق العقارات، حيث تحول جشع بعض مكاتب العقارات والسماسرة إلى عائق أمام استقرار الأسر، وارتفعت أسعار الإيجارات لمستويات خيالية لا تتماشى مع واقع الحال ولا مع قدرة المواطن المنهك أصلاً من ويلات الحرب.

​إن ما يثير الاستياء والقلق هو إصرار السماسرة على فرض عمولة تُقدر بنصف قيمة إيجار شهر، وهي مبالغ تدفع من جيوب أسر قد لا تملك حتى ثمن أثاث منزلها الذي نُهب، في استنزاف لمدخرات العائدين التي ينبغي أن تُوجه نحو الإعمار والترميم.

لقد عانى المواطن السوداني طوال سنوات الحرب من جشع لم يرحم أحداً في مختلف الولايات، حيث استغل بعض السماسرة والملاك حاجة الفارين من الموت وفرضوا إيجارات بملايين الجنيهات، مما أجبر أسراً كاملة على بيع مدخراتها لمجرد الحصول على مأوى، واليوم يتكرر السيناريو ذاته في الخرطوم كعقبة تهدد الاستقرار.

​من هنا، ومن وسط أنقاض البيوت وبشائر العودة، نرفع مناشدتنا الصادقة والقوية إلى السيد والي ولاية الخرطوم، وإلى السيد الفريق أول ركن إبراهيم جابر، رئيس اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة وإعادة الإعمار، للتدخل الفوري والحاسم لإصدار قرارات ولائية تضع سقفاً أعلى للإيجارات وتحدد ضوابط ملزمة حسب تصنيف المناطق، مع تجريم بدعة «نصف الشهر» وتحديد عمولة رمزية لا ترهق كاهل المستأجر.

إن ضبط سوق العقارات هو الخطوة الأولى لضمان بقاء المواطنين في مناطقهم والمساهمة في الإعمار، لأن «الأمن السكني» لا يقل أهمية عن الأمن الغذائي.

​يا أهل السودان، ويا أصحاب المكاتب والملاك، إن الشعب يحتاج للدعم والعون لا للنهب والاستنزاف، والمرحلة الحالية تتطلب منا وقفة رجل واحد وتعزيز قيم التكافل.

تعاونوا وساعدوا بعضكم بعضاً، فالعائدون إليكم هم إخوانكم في الدم والوطن، خرجوا مكرهين وعادوا مثقلين بالهموم، فكونوا لهم عوناً ولا تكونوا عليهم عبئاً، فالسكن أمان والاستغلال خذلان، والخرطوم ستُعمر بسواعد أبنائها وتراحمهم لا بجشع الطامعين.

محمد السني